الفرجات: ما الذي فعله عبدالله الثاني بين الأعوام 2013 و 2018 لحماية أرضه وشعبه، ودون إشعار أحد؟

مدار الساعة - كتب: الأستاذ الدكتور محمد الفرجات

في ليلة باردة وبوقت متأخر قبل أعوام قرأت خبرا شد إنتباهي كثيرا، وكان مزودا بفيديو شنيع جدا يحكي قصة موت أسود.

قوات داعش الإرهابية على المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق توقف مجموعة من سائقي سيارات الشحن، وينزلوهم على جانب الطريق بطريقة قاسية ومهينة، وتحت تهديد السلاح.

يتم ترتيب السواقين جلوسا على الأرض، والأيادي للأعلى، ومع الضرب بوحشية والإهانة تتصدر المشهد، يبدأ التحقيق من قبل المسلحين بالرشاشات.

أحد المسلحين للسائق الجالس في بداية الصف:

"أنت،،، كم عدد ركعات صلاة الفجر؟"

السائق يجيب بتلعثم من شدة الخوف، ثم يهز المسلح رأسه بغضب، وكان ذلك بمثابة الحكم القضائي أمام بقية المجموعة المسلحة.

يستمر التحقيق من ذات المسلح ومجموعته تراقب بإهتمام، ويحكم على الجميع بالموت، على الرغم من أن معظمهم أجاب صحيحا.

يقف المسلحون بهمة وعزيمة عالية لتنفيذ الحكم السريع، ثم يبدأ الهتاف (الله أكبر، الله أكبر)،،، ومن ثم يعلو صوت الرشاشات لتنهش رؤوس وصدور الأبرياء من سواقي الشاحنات، والذين خرجوا وتغربوا من أجل لقمة عيش أطفالهم، ويعلو صياحهم بعد كثير من الرجاء والتوسل (أشهد أن لا إله إلا الله) لإستقبال الموت المحتوم، وسلموا لله تعالى أمرهم وأسرهم وأطفالهم الذين ينتظرون عودتهم بلهفة.

كانت السنوات التي تلت الربيع العربي، سنوات سوداء ذات وقع شديد على الإقليم والمنطقة، ونشأ عنها في بداية ٢٠١٣ تنظيم إرهابي دعى نفسه (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وكان خلفه قوى عالمية لغايات سياسية ليست بريئة.

التنظيم الذي بدأ يبث فكره التطرفي، تم تمكينه بالقوات من الخارجين عن النظام والمطلوبين للعدالة، وزود بالأسلحة الخفيفة في البدايات، ثم المتوسطة، وإحتل آنذاك عدة قرى ومساحات في العراق وسوريا، وقتل وشرد أهلها، وحكم من بقي منهم بذلة وبلا رحمة، والقتل اليومي يسود المشهد.

تطورت الأمور، وبدأ التنظيم ولأسباب تكتيكية بالتوسع والإستقواء، ويبدو في مراحل متطورة بأنه قرر التوسع عبر الحدود ليتعدى عبر حدودنا الأردنية مع العراق وسوريا، فضلا عن ترويجه لنفسه وبث فكره عبر شتى الوسائل.

الملك يراقب المشهد على مدار الساعة مع قواته المسلحة، ويعلم تماما بأن جبهته هي الحدود مع سوريا والعراق، وبطول يتجاوز عدة مئات من الكيلومترات، ويتابع عبر أجهزته الأمنية الأمور وتماسك وصلابة الجبهة الداخلية، وعدم تسرب وتغلغل الفكر الإرهابي وأدواته للبلاد.

مع تطور الأمور القتالية داخل سوريا والعراق آنذاك، فالتحدي والضغط علينا يزدادان، ويكمن الأمر في أنك بلد عربي هاشمي تستقبل وتأوي ملايين اللاجئين الفارين من ويلات فتنة وحروب الربيع العربي، إلا أن الخوف كان من تسرب أفراد وجماعات إرهابية، أو يحملون فكرا إرهابيا، وتحت غطاء اللجوء الإنساني.

الملك يتابع مع قواته المسلحة حدوده الشرقية والشمالية، ويزورهم ويستمع للتقارير اليومية، ويعطي تعليماته بتطبيق قواعد الإشتباك أمام أية محاولة إختراق، بينما وفي ذات الوقت يجتمع بأجهزته الأمنية، ويضع الخطط ويتابع التقارير، وذلك لمنع أي تسرب للأفراد أو الجماعات الإرهابية من بين عشرات الآلاف من صفوف اللاجئين اليومية الطالبين للنجاة بحياتهم من الحرب ومن الإرهابيين.

التحديات كبيرة، والعمل اليومي شاق وعلى مدار الساعة، وهنالك محاولات للإختراق عبر حدود طويلة جدا، والقوات المسلحة بالمرصاد، بينما الأجهزة الأمنية تعمل ضمن عملياتها المخابراتية والإستخبارية لرصد أي تسرب إرهابي مادي أو فكري، بينما تتابع مجريات الأحداث على ساحات الدول المحيطة وتتابع كذلك تقدم التنظيم جغرافيا وعسكريا.

التنظيم يحاول التمدد عبر حدودنا والإختراق تارة بداعي الإستقواء، وتارة بداعي التكتيك القتالي، وتارة هروبا من مرمى نيران قوات الجيش النظامي في سوريا والعراق، ومحاولات الإختراق تزداد، والملك عبر غرفة عملياته الخاصة يتابع على مدار الساعة مع الجيش والأجهزة الأمنية، ويقوم بزيارات تفقدية متواصلة للحدود، ويشارك جنوده طعامهم، ويتابع عن كثب الجاهزية القتالية.

ضمن هذه الأجواء الصعبة، فجلالة الملك يلتقي حكومته، ويتابع ملفات الإصلاح والإستثمار، ويضع خطة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد لمكافحة الإرهابي الفكري والمادي ودواعيه وأدواته.

يقرر الملك ويصدر أوامره للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية العمل بصمت، حفاظا على الإستقرار الداخلي نفسيا وإجتماعيا، وللحفاظ على وتيرة الإقتصاد من إستثمار وسياحة وأعمال، ومحاولة لعدم تصنيف دول العالم لنا كمنطقة خطر وحروب، مما قد يرفع كلف التأمين الخارجية على مصانعنا وحركة السفن وغيرها.

كثير من العمليات والأحداث مرت بعيدا عن التغطية الإعلامية، وجهود مكثفة مظنية وشاقة للقائد الأعلى للقوات المسلحة وجيشه وأجهزته الأمنية بذلت في هذه الأعوام الماضية العصيبة، وإستمرت خلالها عجلة الإقتصاد والسياحة والأعمال والإستثمار.

كانت البلاد إن جاز التعبير في حالة حرب، وجبهتنا الممتدة مئات الكيلومترات كانت ملتهبة، وكانت دولا كبرى تحاول إقحامنا في الحرب في العمقين السوري والعراقي، وفقدنا المنافذ البرية التي كانت تعبرها صادراتنا، وكان لذلك أثرا كبيرا على إقتصادنا.

واصل الملك في تلك الفترة جهوده الدبلوماسية إقليميا ودوليا لصالح البلاد والقضية الفلسطينية والقضايا العربية، بينما واصل متابعة الملفات الداخلية في وقت بتنا نتقاسم فيه الموازنة بين نفقات الدولة من ناحية، وكلف إستضافة الأشقاء اللاجئين هربا من ويلات نار الربيع العربي في بلادهم من ناحية أخرى.

الملك كان في لقاءاته مع فئات الشعب آنذاك يبتسم ويقول "في تحديات، لكن إحنا قدها"، ولكنه كان يخفي تفاصيلا كثيرة منع الإفصاح عنها؛ من الجبهة وعملياتها شبه اليومية، ومن ملفات أمنية معقدة لم ولن يفصح عنها حماية للبلاد، وكذلك عن جهوده الدبلوماسية لمنع إقحامنا في حروب ليست لنا.

من يقرأ جيدا بين السطور ويوازن بين الأمور وبموضوعية، فسيعلم جيدا بأن هذه الجهود دفعت عنا بلاء جماعات متعطشة وعاشقة للدماء، وجنبت البلاد والعباد شر فتن وحروب داخلية، بأيدي فلول وجماعات خارجية، حاولت الإختراق ولاقت نيرانا كثيفة كنيران مدفعية الكرامة.



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية