من الشخصية التي تلهمك..؟

الكاتب : حسين الرواشدة

تجتهد وسائل الإعلام - مع مطلع كل عام - في إعداد قوائم مختلفة لأهم الشخصيات المعاصرة التي تؤثر في حياتنا او في اختيار شخصية معتبرة في نهاية كل عام، كما تحتفي الأمم - في العادة - بأعلامها ورموزها الذين قدموا في مجالاتهم إبداعا ما، او ساهموا في خدمة مجتمعاتهم وعالمهم الإنساني،أما في بلداننا العربية فيأخذ الاحتفاء طابعا مختلفا عما تمارسه الأمم الأخرى، إذ يأتي غالبا بعد أن ينتقل المبدع إلى رحمة الله، او في سياقات سياسية وشخصية معروفة .

الأهم من ذلك كله هو موقفنا من الإبداع ذاته، ومدى ما نُتيحهُ من مناخات لتشجيعه، والإبداع - هنا - لا يقتصر على حقل أدبي او فكري او معرفي وحسب، وإنما ثمة حقول إنسانية أخرى في مجالات العمل والالتزام بالقيم والتأثير في حياة الناس، مهما كانت وظيفة الإنسان او موقعه الاجتماعي.

منذ وقت طويل وأنا مشغول بالبحث عن نماذج إنسانية في عالمنا العربي والإسلامي يمكن ان تحظى بصفة العالمية، صحيح ان في تجربتنا التاريخية وحضارتنا العديد من هذه النماذج، لكننا للأسف لم نحسن إبرازها وتقديمها والترويج لها كما يجب، لكن ماذا عن تجربتنا المعاصرة: هل يوجد لدينا نموذج إنساني كتلك النماذج التي أبرزتها تجربة غيرنا من الأمم؟ غاندي مثلا، الأم تريزا ومانديلا أيضا، هل يمكن لعشرات الشخصيات التي تدرج في قوائم الأكثر تأثيرا في محيطها او حتى في العالم ان تحوز صفة «النموذج الإنساني» بكل ما يتطلبه من مواصفات ومؤهلات وكاريزما وتأثير؟

ربما يرى البعض ان انشغال امتنا منذ القرون الأولى بالمواجهات في ميادين الصراع والقتال ورد العدوان دفعها الى إنتاج نموذج المقاتل والمجاهد وإبرازه ليكون ملهما وقدوة، على حساب تقديم ما لديها من نماذج إنسانية فريدة ومدهشة حقا: خذ مثلا نموذج القاضي العادل والفقيه الإنسان، والإمام الفاتح... لا بل والمجاهد الإنسان كما تمثل في أكثر من شخصية إسلامية ابتداء من الخليفة عمر الى صلاح الدين، لكن مشكلتنا - في الغالب - كانت في التقديم والإخراج أكثر منها في الإنتاج والحضور، او ان شئت الدقة في اختيارنا لما نريده لأجيالنا من نماذج، وللآخر من صور حقيقية تعكس حضارتنا وثقافتنا بطابعها الإنساني الذي يفترض ان يتقدم على ما سواه من الفضائل والسمات.

ثمة من يرى - أيضا - ان البشرية اليوم رغم كل ما حققته من انجازات لم تفلح في إنتاج الكثير من النماذج الإنسانية المعتبرة، واذا حصل ذلك فان هذه النماذج في الغالب تظل اسيرة لمجتمعاتها المحلية ولا يمتد تأثيرها للعالم، وثمة من يرى ان انحيازنا للإبداع في حقوله المختلفة وانشغالنا بتوظيفه سياسيا لم يترك مجالا لنماذجنا الإنسانية لكي تعبر عن نفسها، او ذواتها - أصلا - لم ندرج السمات الإنسانية كمعايير للاختيار او للاحتفاء، مما ساهم في وجود الكثير من الشخصيات المبدعة والاكثر تأثيرا.. لكنها في الغالب لم تأخذ سمة النموذج الإنساني الملهم والمصلح والمغيّر والباعث على السعادة والأمل، لا في محيطه ومع أتباع دينه وجنسه فقط وانما مع الناس..كل الناس.

تسأل: لماذا يشعر الإنسان في عالمنا وبلداننا بالمرارة والحزن والشقاء؟ والجواب: لأننا افتقدنا - او نكاد - ما نحتاجه من نماذج إنسانية كان يمكن ان تلهمنا الصواب، او ان تعلمنا قيم الحياة الفاضلة او تدلنا على طريق الخير والسعادة.

الدستور


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية