النواب والموازنة: نهاية خطابات شجاعة

الكاتب : مكرم الطراونة

ثلاثة أيام من الهجوم النيابي المتواصل على الحكومة خلال جلسات مناقشة الموازنة العامة المقرر التصويت عليها اليوم. الحكومة لم تسلم من انتقادات أغلب النواب الذين تحدثوا خلال الجلسات، وهو الأمر المتوقع اليوم أيضا

المواطنون يعتقدون أن الحكومة تستحق هذا الهجوم، فهي لم تنجح في تحقيق الإصلاح الاقتصادي، ولم تحقق اختراقا يذكر فيه، لكنهم في الوقت ذاته غير مقتنعين بمن يشنه، ولا يؤمنون بنوايا أغلبهم، فهم قد جربوهم مسبقا في عديد القوانين التي أقرت وعلى رأسها الضريبة

اعتاد الناس أن يسمعوا أصوات النواب ترتفع عاليا عند إلقاء الكلمات أو المداخلات، حيث تتلبد الغيوم فوق رأس الحكومة، ولوهلة يعتقد الجميع أن النواب في صدد تلقين الحكومة درسا لن تنساه كل الحكومات بعدها، خصوصا أنه، ومن باب الشعبويات الزائفة، يحاول النواب أن يستلهموا صوت الشعب، وأنين الشارع، والمرارة التي يتذوقها الفقراء والمعدمون.. كل هذا جميل؛ ولكن ينبغي أن نرى كيف تكون نهاية كل هذه الخطابات الشجاعة!

في كل مرة يتخذ النواب مثل هذا الخطاب، تفوز الحكومة بالسبق، وتحقق الأهداف واحدا تلو الآخر، من دون أن تترك شيئا للنواب لكي يبرهنوا أنهم، فعلا، ممثلون للشعب ولتطلعاته

الصوت العالي الذي نراه من نوابنا الأكارم، لم يعد يؤثر بنا، بل على العكس تماما، ففي كل مرة نسمعه، نضع أيدينا فوق قلوبنا، ونتساءل بخوف: ترى ما الذي سيفرط فيه النواب هذه المرة؟!

سلوك النواب أصبح معروفا ومكشوفا، وهو سلوك يتجذر ويتصاعد كلما مر الوقت واقترب المجلس من نهاية مدته الدستورية، ليصبح ذلك السلوك أشبه بالعاصفة الهوجاء التي تريد أن تطحن كل ما يواجهها

كما قلت هذا سلوك خبرناه تماما، ولم يعد يؤثر فينا. ما نريد أن نختبره من نوابنا الأفاضل هو أن تقترن مواقفهم بكلامهم العاصف، وأن ينحازوا فعلا إلى المواطن وهمومه، لا أن يقدموا أداء مسرحيا أمام المواطن، وكأنما المطلوب منهم فقط هو الصوت العالي، لينسحبوا من المشهد بهدوء ولسان حالهم يقول وكفى الله المؤمنين شر القتال ، ثم أخيرا حين يتم طرح مشاريع القوانين للتصويت، تتسابق الأيدي في الموافقة عليها!

اليوم سيتفضل نوابنا بالتصويت على الموازنة، ونحن بالتأكيد نعلم النتيجة سلفا، ولا أظن بأننا سنتعرض إلى مفاجآت تقلب توقعاتنا رأسا على عقب، فالنتيجة محسومة سلفا، وهي الموافقة الكريمة للنواب على ما تفضلت به الحكومة في موازنتها، لنتأكد بأن جميع الصولات والجولات التي خاضوها إنما كانت من أجل التمثيل على المواطن، وإفهامه أن أموال الشعب في أيدٍ أمينة، وأنهم لن يسمحوا للحكومة بالتغول عليها، بينما من الجانب الحقيقي الآخر، هم يريدون استهبال المواطن، وإفهامه أن هذا الأداء المسرحي الهزيل هو تمثيل حقيقي للشعب ومصالحه، لكي يقتنصوا تذكرة العبور مرة أخرى إلى هذا المجلس

في الحقيقة؛ لا المواطن ولا الوطن عادا في حاجة لهذا المجلس الذي ينحدر أداؤه أكثر وأكثر مع مرور الوقت، ويا ليتنا نصحو قريبا على إنهاء عمله إلى الأبد، ما دامت الحكومات تفعل ما تشاء، ولا تستطيع مثل هذه المجالس الهزيلة أن تخضعها للرقابة الحقيقية، ولا أن تكون أمينة على المصلحة العامة.(الغد)


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية