التطرف: حين يتحول الاختلاف إلى إقصاء
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 11:08
ليس أخطر ما يواجه المجتمعات أن يختلف الناس في أفكارهم ومعتقداتهم ومواقفهم، بل أن يفقدوا القدرة على إدارة اختلافاتهم باحترام، وأن يتحوّل الخلاف من مساحة للحوار إلى مبرر للخصومة، ومن تباين في الرأي إلى انتقاص من قيمة الإنسان وحقوقه. عندها يغادر الاختلاف مساحته الطبيعية، ويفتح الباب أمام التعصّب والإقصاء، وقد ينتهي إلى الكراهية والعنف.
فالاختلاف طبيعة إنسانية، والتنوّع مصدر غنى للمجتمعات، والتمسّك بالمبادئ ليس تطرّفًا في ذاته. إنما تبدأ المشكلة حين يظن الإنسان أن قناعته تمنحه الحق في الانتقاص من الآخرين، أو حين يستبدل بالحجة التخوين، وبالحوار الإلغاء. فالمجتمع السليم لا يشترط أن يتشابه أفراده في أفكارهم، وإنما أن يحترموا كرامة الإنسان وحقوقه، وأن يحتكموا إلى القانون في تنظيم علاقاتهم.
وللتطرّف صور متعددة تتجاوز اختزاله في التطرّف الديني المرتبط بالتكفير أو تبرير العنف. فقد يكون فكريًا حين ينغلق العقل على رأي واحد ويرفض المراجعة، وسياسيًا حين يُخوَّن المخالف لمجرد اختلافه في الموقف، وطبقيًا حين تُقاس قيمة الإنسان بمكانته الاقتصادية أو الاجتماعية. وقد يتخذ صورة عنصرية أو طائفية أو حزبية، كما يظهر في الحياة اليومية حين يُنتقص من الآخرين بسبب خلفياتهم أو تُحرم فئات فرص المشاركة بسبب انتماءاتها. وفي الفضاء الرقمي، تتسع هذه المظاهر حين تتحول المنصات إلى ساحات للتشهير والتحريض ونشر الكراهية.
وعلى اختلاف هذه الصور، يجمع بينها خلل في النظر إلى الآخر؛ إذ يُختزل الإنسان في انتمائه أو رأيه أو موقعه الاجتماعي، ويُغفل حقه في الكرامة والاحترام. وقد يبدأ الأمر بكلمة تنطوي على تمييز أو سخرية، ثم يتكرر حتى يصبح سلوكًا مألوفًا، قبل أن يتحول إلى موقف إقصائي يجد من يبرره. لذلك، لا تبدأ مواجهة التطرّف عند ظهور العنف وحده، بل منذ اللحظة التي يصبح فيها الانتقاص من الآخرين أمرًا مقبولًا في الخطاب والسلوك.
ولا تنشأ هذه الظاهرة من سبب واحد. فقد تسهم التنشئة القائمة على الطاعة العمياء، وضعف التفكير النقدي، وغياب الحوار في الأسرة والمدرسة، في بناء عقل أقل استعدادًا للمراجعة وتقبّل الاختلاف. وقد تغذيها مشاعر الظلم والتهميش والتمييز، أو محدودية فرص المشاركة، أو خطابات تستثمر الخوف والغضب لتقسيم الناس إلى جماعات متناحرة. كما قد تعمّق المعلومات المضللة والمحتويات التحريضية الاستقطاب، خصوصًا حين لا يتعرض الإنسان إلا للأفكار التي تؤكد قناعاته.
ومع ذلك، لا يجوز اختزال التطرّف في الفقر أو ضعف التعليم أو التهميش، ولا اعتبار الانتماء الديني أو السياسي دليلًا عليه. فهذه مقاربة تظلم الأفراد وتسيء إلى فهم الظاهرة؛ إذ تتداخل في نشأتها عوامل فكرية وشخصية واجتماعية متعددة، ولا تقود الظروف الصعبة بالضرورة إلى التعصّب أو العنف.
وهنا تتقدم التربية إلى موقعها الطبيعي، لا بوصفها وسيلة لإلقاء المواعظ، بل باعتبارها عملية لبناء العقل والضمير والسلوك. فليس المطلوب أن نعلّم أبناءنا قبول كل فكرة أو التخلي عن قناعاتهم، وإنما أن نعلّمهم كيف يناقشون ما يرفضونه، ويدافعون عن مواقفهم بالحجة، ويراجعون أحكامهم حين تتضح لهم حقائق جديدة. فالتربية على الاختلاف لا تعني أن نتفق في كل شيء، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهين، وكيف نرفض رأيًا دون أن ننكر حق صاحبه.
ومن هنا، فإن المدرسة والجامعة مطالبتان بأكثر من تدريس قيم التسامح في المناهج؛ فالقيم تترسخ بالممارسة والقدوة، لا بالكلمات وحدها. حين يُتاح للطالب أن يسأل ويناقش ويعبّر عن رأيه باحترام، فإنه يتعلم إدارة الاختلاف عمليًا. أما حين يُقابل السؤال بالاستهجان، والرأي المخالف بالسخرية، والخطأ بالإذلال، فإن البيئة التعليمية قد تعزز سلوكيات تناقض ما تعلنه من قيم.
وتبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاختلاف وحدود الحوار. فالبيئة التي تحترم الرأي، وتناقش السلوك دون تحقير صاحبه، وتوازن بين الحزم والاحترام، تساعد أبناءها على التعامل الواعي مع التنوع. كما تتحمل المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية مسؤولية تعزيز خطاب يرفض الكراهية، ويصحح المفاهيم المغلوطة، ويميز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاعتزاز بالهوية والانتقاص من هويات الآخرين.
لكن التربية والحوار لا يكفيان فمواجهة التطرّف تحتاج إلى سيادة القانون على الجميع، وتكافؤ الفرص، ومكافحة التمييز، وتوسيع المشاركة المجتمعية، كما تقتضي التمييز بين الاختلاف الفكري الذي يُواجَه بالحوار والحجة، وبين التحريض على الكراهية أو الاعتداء على الحقوق، الذي يستوجب موقفًا واضحًا وإجراءات قانونية عادلة. فلا التساهل مع الاعتداء يحمي المجتمع، ولا تحويل الاختلاف إلى تهمة يساعد على استقراره.
وفي الأردن، كما في سائر المجتمعات، تظل المواطنة الجامعة وسيادة القانون واحترام التنوع من ركائز الاستقرار. فلا ينبغي أن يتحول الانتماء الديني أو الأصل الاجتماعي أو الموقف السياسي إلى معيار للانتقاص من حقوق المواطن أو التشكيك في وطنيته. فالوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التنوع، بل تقوم على أرضية مشتركة تصون الحقوق وتتيح المشاركة وتضمن المساواة أمام القانون.
إن مواجهة التطرّف ليست حملة مؤقتة، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مشروع تربوي وثقافي ومجتمعي متواصل، يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى الجامعة والإعلام ومؤسسات الدولة، ويكتمل حين يشعر الإنسان بأن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة، وأن الاختلاف لا يحرمه مكانه في مجتمعه.
ولعل السؤال الأجدر بأن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نجعل الآخرين يفكرون مثلنا؟ بل: كيف نبني مجتمعًا يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يتخاصموا، ويتمسكوا بمبادئهم دون أن يتعصبوا، ويحافظوا على وحدتهم دون أن يلغوا تنوعهم؟
فالمجتمع القوي ليس الذي يخلو من الاختلاف، بل الذي يمتلك من الوعي والعدالة والتربية ما يحول دون أن يصبح الاختلاف سببًا للعداء، ويجعل احترام الإنسان مبدأ لا يتبدل بتبدّل رأيه أو انتمائه أو مكانته.
فالاختلاف طبيعة إنسانية، والتنوّع مصدر غنى للمجتمعات، والتمسّك بالمبادئ ليس تطرّفًا في ذاته. إنما تبدأ المشكلة حين يظن الإنسان أن قناعته تمنحه الحق في الانتقاص من الآخرين، أو حين يستبدل بالحجة التخوين، وبالحوار الإلغاء. فالمجتمع السليم لا يشترط أن يتشابه أفراده في أفكارهم، وإنما أن يحترموا كرامة الإنسان وحقوقه، وأن يحتكموا إلى القانون في تنظيم علاقاتهم.
وللتطرّف صور متعددة تتجاوز اختزاله في التطرّف الديني المرتبط بالتكفير أو تبرير العنف. فقد يكون فكريًا حين ينغلق العقل على رأي واحد ويرفض المراجعة، وسياسيًا حين يُخوَّن المخالف لمجرد اختلافه في الموقف، وطبقيًا حين تُقاس قيمة الإنسان بمكانته الاقتصادية أو الاجتماعية. وقد يتخذ صورة عنصرية أو طائفية أو حزبية، كما يظهر في الحياة اليومية حين يُنتقص من الآخرين بسبب خلفياتهم أو تُحرم فئات فرص المشاركة بسبب انتماءاتها. وفي الفضاء الرقمي، تتسع هذه المظاهر حين تتحول المنصات إلى ساحات للتشهير والتحريض ونشر الكراهية.
وعلى اختلاف هذه الصور، يجمع بينها خلل في النظر إلى الآخر؛ إذ يُختزل الإنسان في انتمائه أو رأيه أو موقعه الاجتماعي، ويُغفل حقه في الكرامة والاحترام. وقد يبدأ الأمر بكلمة تنطوي على تمييز أو سخرية، ثم يتكرر حتى يصبح سلوكًا مألوفًا، قبل أن يتحول إلى موقف إقصائي يجد من يبرره. لذلك، لا تبدأ مواجهة التطرّف عند ظهور العنف وحده، بل منذ اللحظة التي يصبح فيها الانتقاص من الآخرين أمرًا مقبولًا في الخطاب والسلوك.
ولا تنشأ هذه الظاهرة من سبب واحد. فقد تسهم التنشئة القائمة على الطاعة العمياء، وضعف التفكير النقدي، وغياب الحوار في الأسرة والمدرسة، في بناء عقل أقل استعدادًا للمراجعة وتقبّل الاختلاف. وقد تغذيها مشاعر الظلم والتهميش والتمييز، أو محدودية فرص المشاركة، أو خطابات تستثمر الخوف والغضب لتقسيم الناس إلى جماعات متناحرة. كما قد تعمّق المعلومات المضللة والمحتويات التحريضية الاستقطاب، خصوصًا حين لا يتعرض الإنسان إلا للأفكار التي تؤكد قناعاته.
ومع ذلك، لا يجوز اختزال التطرّف في الفقر أو ضعف التعليم أو التهميش، ولا اعتبار الانتماء الديني أو السياسي دليلًا عليه. فهذه مقاربة تظلم الأفراد وتسيء إلى فهم الظاهرة؛ إذ تتداخل في نشأتها عوامل فكرية وشخصية واجتماعية متعددة، ولا تقود الظروف الصعبة بالضرورة إلى التعصّب أو العنف.
وهنا تتقدم التربية إلى موقعها الطبيعي، لا بوصفها وسيلة لإلقاء المواعظ، بل باعتبارها عملية لبناء العقل والضمير والسلوك. فليس المطلوب أن نعلّم أبناءنا قبول كل فكرة أو التخلي عن قناعاتهم، وإنما أن نعلّمهم كيف يناقشون ما يرفضونه، ويدافعون عن مواقفهم بالحجة، ويراجعون أحكامهم حين تتضح لهم حقائق جديدة. فالتربية على الاختلاف لا تعني أن نتفق في كل شيء، بل أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهين، وكيف نرفض رأيًا دون أن ننكر حق صاحبه.
ومن هنا، فإن المدرسة والجامعة مطالبتان بأكثر من تدريس قيم التسامح في المناهج؛ فالقيم تترسخ بالممارسة والقدوة، لا بالكلمات وحدها. حين يُتاح للطالب أن يسأل ويناقش ويعبّر عن رأيه باحترام، فإنه يتعلم إدارة الاختلاف عمليًا. أما حين يُقابل السؤال بالاستهجان، والرأي المخالف بالسخرية، والخطأ بالإذلال، فإن البيئة التعليمية قد تعزز سلوكيات تناقض ما تعلنه من قيم.
وتبقى الأسرة المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الاختلاف وحدود الحوار. فالبيئة التي تحترم الرأي، وتناقش السلوك دون تحقير صاحبه، وتوازن بين الحزم والاحترام، تساعد أبناءها على التعامل الواعي مع التنوع. كما تتحمل المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية مسؤولية تعزيز خطاب يرفض الكراهية، ويصحح المفاهيم المغلوطة، ويميز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاعتزاز بالهوية والانتقاص من هويات الآخرين.
لكن التربية والحوار لا يكفيان فمواجهة التطرّف تحتاج إلى سيادة القانون على الجميع، وتكافؤ الفرص، ومكافحة التمييز، وتوسيع المشاركة المجتمعية، كما تقتضي التمييز بين الاختلاف الفكري الذي يُواجَه بالحوار والحجة، وبين التحريض على الكراهية أو الاعتداء على الحقوق، الذي يستوجب موقفًا واضحًا وإجراءات قانونية عادلة. فلا التساهل مع الاعتداء يحمي المجتمع، ولا تحويل الاختلاف إلى تهمة يساعد على استقراره.
وفي الأردن، كما في سائر المجتمعات، تظل المواطنة الجامعة وسيادة القانون واحترام التنوع من ركائز الاستقرار. فلا ينبغي أن يتحول الانتماء الديني أو الأصل الاجتماعي أو الموقف السياسي إلى معيار للانتقاص من حقوق المواطن أو التشكيك في وطنيته. فالوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التنوع، بل تقوم على أرضية مشتركة تصون الحقوق وتتيح المشاركة وتضمن المساواة أمام القانون.
إن مواجهة التطرّف ليست حملة مؤقتة، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مشروع تربوي وثقافي ومجتمعي متواصل، يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى الجامعة والإعلام ومؤسسات الدولة، ويكتمل حين يشعر الإنسان بأن كرامته مصونة وحقوقه محفوظة، وأن الاختلاف لا يحرمه مكانه في مجتمعه.
ولعل السؤال الأجدر بأن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف نجعل الآخرين يفكرون مثلنا؟ بل: كيف نبني مجتمعًا يستطيع أفراده أن يختلفوا دون أن يتخاصموا، ويتمسكوا بمبادئهم دون أن يتعصبوا، ويحافظوا على وحدتهم دون أن يلغوا تنوعهم؟
فالمجتمع القوي ليس الذي يخلو من الاختلاف، بل الذي يمتلك من الوعي والعدالة والتربية ما يحول دون أن يصبح الاختلاف سببًا للعداء، ويجعل احترام الإنسان مبدأ لا يتبدل بتبدّل رأيه أو انتمائه أو مكانته.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 11:08