العرب وكأس العالم: السياسة حين تغيّر الميدان واللغة والأدوات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/14 الساعة 06:40
لم يكن المونديال أخيراً مجرّد بطولة رياضية جديدة، ولا مجرّد مناسبة احتفل فيها العرب بتأهّل عدد غير مسبوق من منتخباتهم أو بما حقّقه بعضها من نتائج لافتة، بل كان، قبل هذا كلّه، حدثاً كشف تحوّلاً أعمقَ في المزاج العربي نفسه؛ إذ كشف حجم التفاعل الشعبي في الشوارع والمقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي أنّ كرة القدم لم تعد شغفاً يقتصر على الشباب، بل أصبحت لغةً مشتركةً تجمع العائلات والنساء والأطفال، وتصنع لحظات نادرة من الشعور الجمعي الذي افتقدته المجتمعات العربية في مجالات كثيرة أخرى. صحيحٌ أنّ كأس العالم ظلّ، منذ عقود، الحدث الرياضي الأكثر متابعةً في العالم، لكن الخطّ البياني للاهتمام العربي بكرة القدم ارتفع بصورة لافتة في السنوات الماضية، بالتوازي مع تزايد حضور المنتخبات العربية في البطولات الدولية، وتحوّلها مصدر للفخر والهُويّة والإنجاز الوطني. ولم يكن مستغرباً، تبعاً لذلك، أن تلتحق الحكومات العربية بهذه الموجة، فتمنح المنتخبات اهتماماً سياسياً وإعلامياً ورمزياً غير مسبوق، في محاولة لتحويل الإنجاز الرياضي إلى جزء من السردية الوطنية، وربطه بالاستقرار ونجاح الدولة وسياساتها.
لكن السؤال هنا يتجاوز كرة القدم نفسها: هل نجحت الأنظمة العربية في تحويل الرياضة إلى بديل من السياسة، وإلى مساحة تستوعب طاقة المجتمعات التي كانت، قبل عقد ونصف العقد فقط، منشغلةً بقضايا الديمقراطية والإصلاح والحرّية؟ أم إنّ العكس هو الأقرب إلى الحقيقة؛ أي أنّ المجتمعات العربية، بعد أن أُغلقت أمامها معظم منافذ العمل السياسي، وجدت في كرة القدم والمدرّجات مساحةً جديدةً لإعادة إنتاج المجال العام، والتعبير عن ذاتها، وصناعة أشكال أخرى من التضامن والانتماء؟
لكن السؤال هنا يتجاوز كرة القدم نفسها: هل نجحت الأنظمة العربية في تحويل الرياضة إلى بديل من السياسة، وإلى مساحة تستوعب طاقة المجتمعات التي كانت، قبل عقد ونصف العقد فقط، منشغلةً بقضايا الديمقراطية والإصلاح والحرّية؟ أم إنّ العكس هو الأقرب إلى الحقيقة؛ أي أنّ المجتمعات العربية، بعد أن أُغلقت أمامها معظم منافذ العمل السياسي، وجدت في كرة القدم والمدرّجات مساحةً جديدةً لإعادة إنتاج المجال العام، والتعبير عن ذاتها، وصناعة أشكال أخرى من التضامن والانتماء؟
لا يتعلّق الأمر هنا بالحُكم على الأداء الرياضي للمنتخبات العربية، ولا بمناقشة ما إذا كان وصولها إلى كأس العالم أو نتائجها يمثّلان نجاحاً رياضياً كاملاً أو نجاحاً نسبياً أو حتّى إخفاقاً في بعض الحالات، فذلك شأنٌ يخصّ خبراء اللعبة. ما يعنينا أنّ هذه المنتخبات استطاعت، خلال السنوات الماضية، أن تحقّق ما عجزت عنه مؤسّسات سياسية واجتماعية كثيرة؛ إذ تحوّلت، ولو بصورة مؤقّتة، إلى عنوان للوحدة الوطنية، وإلى مساحة يلتقي عندها المختلفون سياسياً واجتماعياً ومناطقياً، ويشعرون بأنّهم ينتمون إلى قصّة واحدة. وربّما لا يمكن فصل هذه الحالة عن السياق العربي الأوسع. فمنطقة خرجت من عقد ونصف عقد من الثورات والانقلابات والحروب الأهلية والانقسامات الحادّة، ثمّ جاءت حرب غزّة لتضيف طبقةً جديدةً من الإحباط، وهي تكشف، يومياً، حجم العجز العربي الرسمي أمام مشاهد القتل والإبادة، لا بدّ من أن تصبح أكثر تعطّشاً لأيّ لحظة انتصار، حتّى لو جاءت في ملعب لكرة القدم. ليست الرياضة هنا مجرّد ترفيه، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، تعويضاً رمزياً عن سلسلة طويلة من الإخفاقات السياسية، واستعادةً مؤقّتةً لشعور جماعي بالكرامة والقدرة على الإنجاز.
ربّما يساعد ما سبق في فهم الحضور السياسي الكثيف الذي أحاط بالمنتخبات العربية في السنوات الماضية، فلم تعد الحكومات تنظر إلى كرة القدم نشاطاً رياضياً مستقلّاً، بل مورداً جديداً من موارد الشرعية الرمزية. الاستقبالات الرسمية، والتكريمات، والخطابات السياسية، والتغطيات الإعلامية الضخمة، جميعها تسعى إلى دمج الإنجاز الرياضي في الرواية الوطنية للدولة، وكأنّ الفوز في الملعب امتداد طبيعي لنجاح السياسات العامّة، أو دليل على كفاءة الإدارة والاستقرار السياسي.
ليس هذا جديداً في التجارب الدولية، فقد أدركت دول كثيرة، منذ زمن بعيد، أنّ الرياضة إحدى أدوات القوّة الناعمة، ووسيلة فعّالة لبناء الهُويّة الوطنية وتحسين الصورة الخارجية. لكنّ خصوصية الحالة العربية تكمن في أنّ هذا الاستثمار السياسي في الرياضة جاء متزامناً مع انكماش غير مسبوق في المجال العام. فبينما كانت السياسة، قبل 15 عاماً، تستحوذ على اهتمام الشارع العربي، وتملأ النقاشات اليومية، وتنافس كرة القدم على اهتمام الشباب، وربّما تتقدّم عليها في بعض اللحظات، انقلب المشهد اليوم. عادت الجماهير إلى المدرّجات، فيما غادرت السياسة معظم الساحات. والسؤال ليس ما إذا كانت السياسة قد خسرت المباراة، بل ما إذا كانت قد غيّرت الملعب فقط.
الإجابة الأولى تبدو ببساطة: نعم، نجحت الأنظمة العربية في توظيف كرة القدم، وتحويلها أداة لصناعة التوافق الوطني، وتخفيف الاحتقان، وإعادة إنتاج الشرعية، وصرف الاهتمام الشعبي عن الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة. وهذا التفسير يجد ما يدعمه في تجارب عربية كثيرة، كما يجد صداه في أدبيات العلوم السياسية التي تناولت العلاقة بين الرياضة والسلطة، وكيف يمكن للإنجاز الرياضي أن يتحوّل إلى رأسمال سياسي تستثمره الحكومات. غير أنّ هذا التفسير، على وجاهته، يبقى ناقصاً، لأنّه يفترض أنّ المجتمع مجرّد متلقٍّ سلبي، وأنّ الجماهير تتحرّك وفق ما ترسمه السلطة لها. والحال أنّ التجربة العربية، حتّى في أكثر مراحلها انغلاقاً، لم تكن بهذه البساطة.
ربّما يساعد ما سبق في فهم الحضور السياسي الكثيف الذي أحاط بالمنتخبات العربية في السنوات الماضية، فلم تعد الحكومات تنظر إلى كرة القدم نشاطاً رياضياً مستقلّاً، بل مورداً جديداً من موارد الشرعية الرمزية. الاستقبالات الرسمية، والتكريمات، والخطابات السياسية، والتغطيات الإعلامية الضخمة، جميعها تسعى إلى دمج الإنجاز الرياضي في الرواية الوطنية للدولة، وكأنّ الفوز في الملعب امتداد طبيعي لنجاح السياسات العامّة، أو دليل على كفاءة الإدارة والاستقرار السياسي.
ليس هذا جديداً في التجارب الدولية، فقد أدركت دول كثيرة، منذ زمن بعيد، أنّ الرياضة إحدى أدوات القوّة الناعمة، ووسيلة فعّالة لبناء الهُويّة الوطنية وتحسين الصورة الخارجية. لكنّ خصوصية الحالة العربية تكمن في أنّ هذا الاستثمار السياسي في الرياضة جاء متزامناً مع انكماش غير مسبوق في المجال العام. فبينما كانت السياسة، قبل 15 عاماً، تستحوذ على اهتمام الشارع العربي، وتملأ النقاشات اليومية، وتنافس كرة القدم على اهتمام الشباب، وربّما تتقدّم عليها في بعض اللحظات، انقلب المشهد اليوم. عادت الجماهير إلى المدرّجات، فيما غادرت السياسة معظم الساحات. والسؤال ليس ما إذا كانت السياسة قد خسرت المباراة، بل ما إذا كانت قد غيّرت الملعب فقط.
الإجابة الأولى تبدو ببساطة: نعم، نجحت الأنظمة العربية في توظيف كرة القدم، وتحويلها أداة لصناعة التوافق الوطني، وتخفيف الاحتقان، وإعادة إنتاج الشرعية، وصرف الاهتمام الشعبي عن الأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة. وهذا التفسير يجد ما يدعمه في تجارب عربية كثيرة، كما يجد صداه في أدبيات العلوم السياسية التي تناولت العلاقة بين الرياضة والسلطة، وكيف يمكن للإنجاز الرياضي أن يتحوّل إلى رأسمال سياسي تستثمره الحكومات. غير أنّ هذا التفسير، على وجاهته، يبقى ناقصاً، لأنّه يفترض أنّ المجتمع مجرّد متلقٍّ سلبي، وأنّ الجماهير تتحرّك وفق ما ترسمه السلطة لها. والحال أنّ التجربة العربية، حتّى في أكثر مراحلها انغلاقاً، لم تكن بهذه البساطة.
يستدعي مثل هذا النقاش، بالضرورة، أفكار عالم الاجتماع، الأميركي - الإيراني آصف بيات، بخاصّة في كتابه "الحياة سياسة... كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط"، إذ يجادل بأنّ السياسة لا تقتصر على الأحزاب والبرلمانات والانتخابات، بل قد تعيش أيضاً في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية؛ فالناس، عندما تغلق أمامهم أبواب الفعل السياسي المباشر، لا يتوقّفون عن الفعل، وإنّما يبتكرون مساراتٍ أخرى أقلّ صداماً وأكثر هدوءاً، للحفاظ على مساحةٍ من الحرّية والمعنى والأمل. يُسمّي بيات هذا "سياسات الحياة اليومية"، فتتحوّل الممارسات الاعتيادية إلى أشكال غير مباشرة من إعادة تشكيل المجتمع. إذا أخذنا هذا المنظور على محمل الجدّ، قد لا تكون كرة القدم قد بديلاً من السياسة، بل شكلاً مختلفاً من حضورها. فالمدرّجات ليست مجرّد أماكن للتشجيع، وإنّما فضاءات تنتج شعوراً جماعياً، وتعيد بناء الروابط الاجتماعية، وتمنح الأفراد فرصةً للخروج من عزلتهم السياسية، ولو لساعات قليلة.
ويصبح هذا التفسير أكثر عمقاً إذا انتقلنا إلى ميشال دي سارتو في كتابه "ابتكار الحياة اليومية... فنون الأداء العملي"، إذ يميّز بين "استراتيجيات" السلطة، التي تمتلك المؤسّسات والقوانين والإعلام، و"تكتيكات" الناس العاديين الذين لا يملكون هذه الأدوات، فيلجأون إلى إعادة استخدام الفضاءات التي تنتجها السلطة بطرق مختلفة عن تلك التي خُطّط لها. ليسوا في مواجهة مباشرة معها، لكنّهم أيضاً ليسوا مجرّد مستهلكين سلبيين لما تعرضه عليهم. فوفق هذا المنظور، يمكن النظر إلى كرة القدم بوصفها أحد تلك "التكتيكات" اليومية. فالسلطة قد ترى فيها أداةً لتعزيز الشرعية، بينما يراها الناس فرصةً لاستعادة المجال العام، وإنتاج الفرح، وإعادة بناء شعور جماعي افتقدوه طويلاً. وربّما لهذا السبب يصعب الجزم بأنّ طرفاً واحداً هو الذي يوظّف الآخر. فالعلاقة تبدو أكثر تعقيداً، وأقرب إلى عملية شدّ وجذب مستمرّة بين الدولة والمجتمع.
وجدت هذه الأسئلة اهتماماً وإدراكاً لأهميتها بوصفها ظاهرةً في العالم العربي، وأصبحت في السنوات الماضية موضوعاً لاهتمام متزايد في الدراسات العربية، لا سيّما في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي تزايد اهتمامه بالتزامن مع مونديال قطر وما أعقبه من بطولات كبرى. فقد بدا واضحاً أنّ السؤال لم يعد يدور عن نتائج المباريات أو مستوى المنتخبات، بل عمّا تكشفه كرة القدم نفسها من تحوّلات في الدولة والمجتمع، ومن العلاقة الجديدة بين السلطة والمجال العام، وكيف أصبحت الرياضة مدخلاً لفهم الهُويّة الوطنية والقوّة الناعمة وأشكال التعبئة الاجتماعية الجديدة. وقد خصّص المركز ندوات وملفّات بحثية تناولت هذه التقاطعات، في إشارة إلى انتقال كرة القدم من هامش الدراسات الاجتماعية إلى أحد موضوعاتها الرئيسة.
ويصبح هذا التفسير أكثر عمقاً إذا انتقلنا إلى ميشال دي سارتو في كتابه "ابتكار الحياة اليومية... فنون الأداء العملي"، إذ يميّز بين "استراتيجيات" السلطة، التي تمتلك المؤسّسات والقوانين والإعلام، و"تكتيكات" الناس العاديين الذين لا يملكون هذه الأدوات، فيلجأون إلى إعادة استخدام الفضاءات التي تنتجها السلطة بطرق مختلفة عن تلك التي خُطّط لها. ليسوا في مواجهة مباشرة معها، لكنّهم أيضاً ليسوا مجرّد مستهلكين سلبيين لما تعرضه عليهم. فوفق هذا المنظور، يمكن النظر إلى كرة القدم بوصفها أحد تلك "التكتيكات" اليومية. فالسلطة قد ترى فيها أداةً لتعزيز الشرعية، بينما يراها الناس فرصةً لاستعادة المجال العام، وإنتاج الفرح، وإعادة بناء شعور جماعي افتقدوه طويلاً. وربّما لهذا السبب يصعب الجزم بأنّ طرفاً واحداً هو الذي يوظّف الآخر. فالعلاقة تبدو أكثر تعقيداً، وأقرب إلى عملية شدّ وجذب مستمرّة بين الدولة والمجتمع.
وجدت هذه الأسئلة اهتماماً وإدراكاً لأهميتها بوصفها ظاهرةً في العالم العربي، وأصبحت في السنوات الماضية موضوعاً لاهتمام متزايد في الدراسات العربية، لا سيّما في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي تزايد اهتمامه بالتزامن مع مونديال قطر وما أعقبه من بطولات كبرى. فقد بدا واضحاً أنّ السؤال لم يعد يدور عن نتائج المباريات أو مستوى المنتخبات، بل عمّا تكشفه كرة القدم نفسها من تحوّلات في الدولة والمجتمع، ومن العلاقة الجديدة بين السلطة والمجال العام، وكيف أصبحت الرياضة مدخلاً لفهم الهُويّة الوطنية والقوّة الناعمة وأشكال التعبئة الاجتماعية الجديدة. وقد خصّص المركز ندوات وملفّات بحثية تناولت هذه التقاطعات، في إشارة إلى انتقال كرة القدم من هامش الدراسات الاجتماعية إلى أحد موضوعاتها الرئيسة.
ولعلّ أحدث هذه الإسهامات، وأكثرها أهمّيةً، كتاب الباحث المغربي يوسف دعي، "الرياضة والسياسة في المغرب بين الضبط والمقاومة... كرة القدم نموذجاً" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2025)، إذ تنبع أهمّية الكتاب من أنّه ينقض الفكرة التقليدية القائلة إنّ الرياضة بمثابة فضاء محايد ومنفصل عن السياسة، ويبيّن، من خلال التجربة المغربية، أنّ الملاعب كانت دائماً جزءاً من المجال السياسي، لكنّها أدّت أدواراً مختلفة باختلاف المرحلة التاريخية. ففي سنوات حكم الحسن الثاني، كانت كرة القدم إحدى أدوات الدولة لإنتاج الإجماع الوطني وامتصاص الاحتقان الاجتماعي. وبعد حراك 2011، انقلب المشهد تدريجياً، وتحوّلت المدرّجات إلى فضاء يتنازع عليه المجتمع والدولة، ولم تعد السلطة تحتكر وحدها إنتاج الرموز الوطنية أو توجيه العاطفة الجماعية. ويذهب دعي إلى أبعد، حين يتوقّف عند ظاهرة "ألتراس" التي لم تعد مجرّد مجموعات تشجيع رياضي، بل غدت، في نظره، من أكثر الثقافات الشبابية الفرعية في المغرب أهمّيةً. فالأهازيج الجماعية، واللافتات، والغرافيتي، وطقوس التشجيع، لم تعد تعبّر عن الولاء للنادي فقط، وإنّما أصبحت لغةً للاحتجاج على البطالة والتهميش والفساد وتضييق المجال العام.
لقد تحوّلت المدرّجات إلى فضاء موازٍ للمجال السياسي التقليدي؛ فضاء لا يقوم على الأحزاب أو النقابات، وإنّما على شبكات شبابية أفقية يصعب احتواؤها أو تمثيلها، وتعتمد على أشكال رمزية من المقاومة أكثر من اعتمادها على العمل السياسي المباشر. حتّى إنّ الكتاب يصف الملاعب بأنّها أصبحت، في لحظات كثيرة، ميداناً للصراع الرمزي بين الدولة التي تسعى إلى احتكار الوطنية وشباب يحاول إعادة تعريف معنى الانتماء والمواطنة من خارج المؤسّسات الرسمية.
وربّما يقودنا هذا إلى السؤال الأهمّ: مَن يوظّف مَن؟ هل استطاعت الأنظمة العربية أن تجعل من كرة القدم بديلاً آمناً من السياسة، وأن تحوّل طاقة المجتمعات إلى احتفالات رياضية موسمية؟ أم أعادت المجتمعات نفسها توظيف هذه اللعبة، وحوّلتها إلى مساحة تتنفّس من خلالها، وتعيد إنتاج تضامنها، وتستعيد جزءاً من المجال العام الذي فقدته خلال السنوات الماضية؟
ربّما لا توجد إجابة قاطعة. فالعلاقة بين السلطة والرياضة، كما بين المجتمع والرياضة، أكثر تركيباً من أن تُختزَل في نظرية واحدة. لكن ما يبدو واضحاً أنّ كرة القدم في العالم العربي لم تعد مجرّد لعبة. لقد أصبحت مرآةً لتحوّلات أعمق يعيشها المجال العام العربي، وكشفت، أكثر من أيّ نشاط آخر، أنّ السياسة لا تختفي حين تُغلق أبوابها، بل تغيّر لغتها وأدواتها وأمكنتها. وربّما لهذا السبب لم تعد المباراة تدور داخل المستطيل الأخضر فقط، بل أصبحت تمتدّ إلى ما هو أبعد منه بكثير؛ إلى سؤال الدولة، والمجتمع، والهُويّة، وإلى ذلك الفراغ الكبير الذي تركته السياسة، فدخلت الرياضة لتملأ جزءاً منه، أو ربّما لتكشف أنّه ما يزال ينتظر من يملأه.
لقد تحوّلت المدرّجات إلى فضاء موازٍ للمجال السياسي التقليدي؛ فضاء لا يقوم على الأحزاب أو النقابات، وإنّما على شبكات شبابية أفقية يصعب احتواؤها أو تمثيلها، وتعتمد على أشكال رمزية من المقاومة أكثر من اعتمادها على العمل السياسي المباشر. حتّى إنّ الكتاب يصف الملاعب بأنّها أصبحت، في لحظات كثيرة، ميداناً للصراع الرمزي بين الدولة التي تسعى إلى احتكار الوطنية وشباب يحاول إعادة تعريف معنى الانتماء والمواطنة من خارج المؤسّسات الرسمية.
وربّما يقودنا هذا إلى السؤال الأهمّ: مَن يوظّف مَن؟ هل استطاعت الأنظمة العربية أن تجعل من كرة القدم بديلاً آمناً من السياسة، وأن تحوّل طاقة المجتمعات إلى احتفالات رياضية موسمية؟ أم أعادت المجتمعات نفسها توظيف هذه اللعبة، وحوّلتها إلى مساحة تتنفّس من خلالها، وتعيد إنتاج تضامنها، وتستعيد جزءاً من المجال العام الذي فقدته خلال السنوات الماضية؟
ربّما لا توجد إجابة قاطعة. فالعلاقة بين السلطة والرياضة، كما بين المجتمع والرياضة، أكثر تركيباً من أن تُختزَل في نظرية واحدة. لكن ما يبدو واضحاً أنّ كرة القدم في العالم العربي لم تعد مجرّد لعبة. لقد أصبحت مرآةً لتحوّلات أعمق يعيشها المجال العام العربي، وكشفت، أكثر من أيّ نشاط آخر، أنّ السياسة لا تختفي حين تُغلق أبوابها، بل تغيّر لغتها وأدواتها وأمكنتها. وربّما لهذا السبب لم تعد المباراة تدور داخل المستطيل الأخضر فقط، بل أصبحت تمتدّ إلى ما هو أبعد منه بكثير؛ إلى سؤال الدولة، والمجتمع، والهُويّة، وإلى ذلك الفراغ الكبير الذي تركته السياسة، فدخلت الرياضة لتملأ جزءاً منه، أو ربّما لتكشف أنّه ما يزال ينتظر من يملأه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/14 الساعة 06:40