صوت المحافظات: الشباب والتحديث

د.محمد ابورمان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 05:26
بعد سنوات من إطلاق مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم أقل ارتباطاً بما أُنجز من قوانين أو مؤسسات، وأكثر ارتباطاً بما يشعر به المواطن العادي، وبخاصة الشباب.

فنجاح أي مشروع إصلاحي لا يقاس بعدد التشريعات التي أُقرت، ولا بحجم الخطاب الرسمي الذي رافقه، وإنما بقدرته على أن يتحول إلى تجربة معيشية يلمسها الناس في حياتهم اليومية لأولوياتهم وهمومهم بالاقتران مع واقع المحافظات وأوضاعها (بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيبرت) أهمية خاصة. فهي لا تتحدث عن الشباب، بل تنطلق منهم؛ من مجموعات عمل شبابية في المحافظات الاثنتي عشرة وأيضاً بعض المخيمات الفلسطيينة، حاولت أن تقيس المسافة بين وعود التحديث وواقعها اليومي، وبين ما يفترض أن تنتجه الإصلاحات من فرص ومشاركة وعدالة، وما يعيشه الشباب فعلياً في المدن والألوية والقرى.

المفارقة الكبرى التي تكشفها الدراسة أن الفجوة ما تزال واسعة. ليس لأن الشباب يرفضون مشروع التحديث، بل لأن كثيرين منهم لم يشعروا بعد بأن هذا المشروع غيّر حياتهم بصورة ملموسة، وبعكس الصورة النمطية لدى كثير من النخب السياسية والمسؤولين فإنّ هنالك اهتماما ملحوظاً بالشأن العام، ورغبة في المشاركة، لكن الثقة بالمؤسسات ما تزال منخفضة، بينما تبقى البطالة والفرص الاقتصادية المحدودة العنوان الأبرز الذي يطغى على كل ما عداه.

في الواقع، تكاد جميع المحافظات، على اختلاف ظروفها، تعيد إنتاج الرسالة نفسها: لا يمكن الحديث عن اندماج سياسي حقيقي لشاب لا يعرف كيف سيجد عملاً بعد التخرج، ولا عن مشاركة حزبية فاعلة في بيئة يشعر فيها بأن مستقبله الاقتصادي غامض. ولهذا لم تكن البطالة مجرد مؤشر اقتصادي في الدراسة، بل ظهرت باعتبارها المدخل الذي يعيد تشكيل علاقة الشباب بالدولة والمجال العام وبفكرة المستقبل نفسها.

في المقابل يذهب التقرير أبعد من البطالة، وهنا تكمن أهميته. فهو يلفت الانتباه إلى قضايا ربما لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام في النقاش العام؛ العدالة المكانية بين مراكز المحافظات وأطرافها، وفجوة الخدمات، وضعف النقل العام، وغياب الربط الحقيقي بين التدريب وسوق العمل، وتصاعد القلق المرتبط بالصحة النفسية، والمخدرات، والجريمة الإلكترونية، وهي ملفات لا تبدو منفصلة عن الاقتصاد والسياسة، بل جزء من منظومة واحدة يشعر الشباب أنها تحدد جودة حياتهم وفرصهم.

ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الشباب لا يرفضون التدريب، بل يرفضون التدريب الذي ينتهي عند شهادة معلقة على الجدار. ما يطالبون به هو تدريب يقود إلى وظيفة، وبرامج ترتبط فعلاً باحتياجات الاقتصاد المحلي، وبالميزات النسبية لكل محافظة، لا نسخ برامج متشابهة من شمال المملكة إلى جنوبها. كما يطالبون بعدالة أكبر في توزيع التنمية داخل المحافظة نفسها، لأن الفجوة لم تعد فقط بين العاصمة والمحافظات، وإنما بين مركز المحافظة وألويتها وقراها أيضاً.

أما سياسياً، فإن الرسالة لا تقل وضوحاً. فالشباب لا يبدون عزوفاً عن الشأن العام بقدر ما يعبرون عن أزمة ثقة بفاعلية القنوات القائمة. ولذلك فإن استعادة الثقة لا تبدأ بخطاب جديد، بل بإعطاء الشباب دوراً حقيقياً في صناعة القرار المحلي، وبأن يشعروا أن مشاركتهم تحدث فرقاً ملموساً في حياتهم اليومية.

ومن هنا تكتسب مناقشات قانون الإدارة المحلية في الدورة الاستثنائية لمجلس النواب أهمية استثنائية. فهذا القانون ليس مجرد إعادة تنظيم للعلاقة بين البلديات ومجالس المحافظات، بل يمكن أن يكون البوابة الأهم لإعادة دمج الشباب في المجال العام. وإذا كان مشروع القانون قد اتجه إلى التخلي عن الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات، فإن من الضروري على الأقل أن يتضمن ضمانات واضحة تكفل انتخاب ممثلي الشباب في المجالس المحلية والبلدية، لا أن يكون حضورهم قائماً على التعيين، أياً كانت معاييره.

في النهاية، لا يقدم هذا التقرير وصفة جاهزة، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. لكنه يقدم شيئاً أكثر أهمية؛ نافذة نادرة للاستماع إلى شباب المحافظات بعيداً عن الافتراضات المسبقة. والرسالة التي يحملها تستحق أن تُقرأ جيداً من صانع القرار، لأن نجاح مشروع التحديث لن يقاس بما كُتب في الوثائق الرسمية، بل بما سيقوله هؤلاء الشباب بعد خمس سنوات عن حياتهم وفرصهم وثقتهم بالدولة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 05:26