الاقتصاد الحكومي 'الجامد' وتضخيم الصورة : تضخيم الأرقام بين الواقع والاقتصاد الإسلامي

د. مصطفى التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 08:31
في مشهد يموج بالمفارقات، حيث يرتفع عجز الموازنة إلى أعلى مستوى له منذ سنوات وينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر والإنتاج الصناعي، نجد تبايناً صارخاً بين هذه المؤشرات القاتمة وبين تصريحات مطمئنة تستند إلى بيانات محسنة يُروّج لها بوصفها دليلاً على النمو.

لكن ما حقيقة هذه "البيانات المحسنة"؟! , وهل تعكس تحسناً فعلياً في الأداء الاقتصادي، أم أنها مجرد إعادة رسم للخريطة بألوان أكثر إشراقاً دون تغيير في ملامح الواقع القاسي؟!

الجواب يكمن في الإجراء الإحصائي الذي أقدمت عليه دائرة الإحصاءات الأردنية مؤخراً، والمتمثل بتحديث "سنة الأساس" لحساب الناتج المحلي الإجمالي من عام 2016 إلى عام 2023.

هذا التحديث الذي وُصف بأنه "أداة قياس جديدة"، كشف أن حجم الاقتصاد الأردني أكبر بنحو 10% (ما يعادل 3.6 مليار دينار) مما كان يُعتقد سابقاً.

المهم هنا هو التأكيد من جميع المصادر، بما فيها تقارير خبراء الاقتصاد، على أن هذه الزيادة هي تغيير في طرق الاحتساب وليست نتيجة نمو فعلي في حجم الاقتصاد.

تعمل آلية تضخيم الصورة هذه على عدة مستويات تهدف إلى تحويل أرقام ورقية إلى وقائع مُروّجة على أنها إنجازات اقتصادية, ففي المستوى الأول عندما يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بينما يبقى حجم الدين العام والعجز المالي كما هو دون تغيير، فإن النسبة المئوية للدين إلى الناتج المحلي وللعجز تنخفض تلقائياً.

هذا التحسن هو مجرد نتيجة حسابية، وهو ما أكد عليه المنتدى الاقتصادي الأردني مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الدولية تتعامل مع هذه المراجعات كتعديلات إحصائية تهدف لتحسين جودة البيانات، وليس لإعادة تصنيف المراكز المالية للدولة.

لكن من الناحية العملية يتم تسويق هذا التحسن في النسب على أنه تعزيز لقدرة الأردن الائتمانية وتحسين نظرتها أمام وكالات التصنيف الائتماني، وكأن الدين نفسه قد تقلص.

وفي المستوى الثاني استغل الأردن هذا التحديث الإحصائي للحصول على ترقية من البنك الدولي إلى مصاف "الدخل المتوسط الأعلى"، حيث قفز نصيب الفرد من الناتج المحلي من نحو 3000 دينار إلى 3300 دينار.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يعني هذا الرقم الجديد أن المواطن الأردني أصبح أكثر ثراءً أو أن دخله الحقيقي ارتفع؟! الإجابة التي تقدمها المصادر الاقتصادية هي لا، فهذا التعديل لا ينعكس مباشرةً على مستوى رفاه الأسر أو دخل الفرد الفعلي , إنه مجرد تغيير في المقام الرياضي لكسر حسابي، بينما البسط وهو الدخل الحقيقي للمواطن لم يتحرك قيد أنملة.

أما في المستوى الثالث، فيُطرح هذا التحديث كخطوة تعزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية في البيانات الاقتصادية الأردنية، والمنطق هنا هو أن البيانات الأكثر دقة تعكس صورة أوضح للاقتصاد، مما يشجع على الاستثمار.

لكن السؤال الملح: كيف يمكن لبيانات محسنة أن تجذب استثمارات جديدة في ظل تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر الفعلي إلى أدنى مستوى له منذ 2022؟! هذا التناقض يُظهر أن "ثقة المستثمرين" التي تُبنى على أرقام إحصائية مُعدّلة هي عامل معنوي قد لا يُترجم إلى تدفقات رأسمالية حقيقية في غياب تحسن ملموس في مناخ الاستثمار الحقيقي، فالبيانات المحسنة وحدها لا تبني مصانع ولا تخلق فرص عمل.

ولم تقتصر الاستفادة من التعديل الإحصائي على الدوائر الرسمية، بل امتدت إلى التغطية الإعلامية التي ركزت على "الزيادة" في حجم الاقتصاد دون التركيز على طبيعتها المنهجية، والحديث عن أن الأردن يخطو خطوة نوعية في حوكمة البيانات الإحصائية، متجاهلة في كثير من الأحيان أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة تحسناً في الأداء الاقتصادي الفعلي.

وهكذا تتشكل حلقة مفرغة من التضخيم الإعلامي والإحصائي تهدف إلى تلميع صورة قد تكون بعيدة كل البعد عن واقع المواطن الذي يعيش ضغوطاً اقتصادية متصاعدة.

المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن هذا التضخيم الإحصائي للصورة الاقتصادية يأتي في توقيت تعاني فيه المؤشرات الحقيقية من الجمود والتراجع.

فالبيانات الموثوقة من مصادر متعددة تُجمع على أن عجز الموازنة بعد المنح ارتفع إلى 722.3 مليون دينار في الربع الأول من 2026، وهو الأعلى منذ 2021، وأن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر انخفضت إلى 185.2 مليون دينار، وهو أدنى مستوى لها منذ 2022، بينما تراجع الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي إلى 88.1 نقطة.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن استغلال البيانات الإحصائية يأتي كغطاء لمواجهة حقائق اقتصادية قاسية، حيث يُستخدم تغيير عدسة القياس لتقديم صورة تبدو أكثر إشراقاً، في محاولة لتحسين المظهر العام للأداء الاقتصادي دون معالجة جذور مشاكله الحقيقية.

الإجراءات الإحصائية ضرورية ومطلوبة لدقتها، ولكن تحويلها إلى أداة دعائية لتجميل واقع اقتصادي جامد هو ما يثير القلق ويُفقد المواطن ثقته في الأرقام الرسمية، ويُسقط في النهاية كل الجسور بين البيانات المجردة والحياة اليومية للناس.

وهنا يأتي السؤال الأعمق: هل هذا الإجراء الإحصائي مقبول في ضوء المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي؟!

الإجابة تتوقف تماماً على كيفية استخدامه والنتائج المترتبة عليه، وليس على العملية الإحصائية نفسها, إن تغيير سنة الأساس هو إجراء معترف به عالمياً ويدخل في باب تحسين وسائل القياس، وليس تغيير الحقائق، والأسباب التي تدفع الدول لذلك مثل تغير الهيكل الاقتصادي وظهور قطاعات جديدة هي أسباب موضوعية لا تتعارض مع روح الاقتصاد الإسلامي الذي يدعو إلى الإتقان في العمل والعدالة في التعامل.

بل يمكن اعتبار تحديث البيانات بشكل دوري واجباً من واجبات المسؤولية في إدارة المال العام، لأنه يوفر صورة أوضح للواقع تساعد في توجيه السياسات.

لكن حدود المقبولية تتوقف عندما يتم توظيف هذا التحديث ليس لتوضيح الصورة بل لتجميلها، أي للتمويه على واقع اقتصادي متأزم ,فالاقتصاد الإسلامي ينهى عن الغش والتدليس، وأي إجراء إحصائي يُستخدم عمداً لتحسين المؤشرات ظاهرياً دون تغيير حقيقي في حياة الناس يُعد ممارسة مشبوهة.

النقطة الحساسة هنا هي تحسين نسب الدين والعجز نتيجة لزيادة المقام وليس لانخفاض البسط، وهو تحسن رقمي وليس اقتصادياً قد يوحي بسياسة مالية أكثر صرامة مما هي عليه في الواقع.

من وجهة نظر إسلامية اقتصادية هذا قد يُعد نوعاً من التلبيس على الرأي العام والمستثمرين، لأنه يخفي حقيقة أن عبء الدين الحقيقي لم يخف.

وكذلك الحصول على ترقية في التصنيف الائتماني بناءً على هذه الأرقام المحسّنة قد يُعطي انطباعاً بتحسن في القوة الاقتصادية بينما واقع دخل المواطن ومستوى معيشته لم يتغيرا، مما يثير إشكالية العدالة في التعامل لأنه يبني وعوداً على أسس ورقية قد لا تكون مستدامة.

من هنا يمكن القول إن الإجراء الإحصائي بحد ذاته محايد ومقبول من منظور الاقتصاد الإسلامي، بل ومطلوب من أجل الدقة , ولكن المشكلة تكمن في التوظيف السياسي والإعلامي لهذه الأرقام.

فإذا كان الهدف من هذا التحديث هو إخفاء فشل في الأداء الاقتصادي أو تحسين الصورة الذهنية دون معالجة حقيقية للعجز وتراجع الاستثمار والإنتاج، فإن هذا يُعتبر ممارسة غير مقبولة.

فالاقتصاد الإسلامي لا يفرق فقط بين الحلال والحرام، بل يؤكد على العدل والشفافية والأمانة في كل التعاملات، بما فيها التعامل مع الأرقام والمؤشرات الاقتصادية التي تؤثر في حياة الناس ومصير البلاد , فالقيمة الجوهرية للأمة لا تقاس بهندسة الأرقام، بل بمدى تحقيقها للعدالة الاجتماعية والتنمية الحقيقية التي تلمسها الأسرة الفقيرة قبل المؤسسة المالية الدولية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 08:31