التل يكتب: ممر بديل للمضيق: كيف تحول الأزمة في الخليج إلى فرصة ذهبية للأردن وسوريا؟

د. مصطفى التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 12:14
بعد إغلاق مضيق هرمز الذي هزّ أسواق الطاقة العالمية، لم يعد المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط كما كان.

فبينما تتجه الأنظار إلى طهران وواشنطن برزت نقطتان على الخريطة بشكل غير متوقع كمتنفس إقليمي جديد: موانئ سوريا على المتوسط، وممرات الأردن الصحراوية.

في الوقت الذي كانت فيه )نيويورك تايمز( تضع سوريا في الواجهة كبديل استراتيجي لنقل النفط، كان الأردن يعمل بهدوء على تحويل هذه الأزمة إلى "عقد اقتصادي " يعيد تعريف دوره الإقليمي , فلم يعد الأردن مجرد دولة جارة لسوريا بل أصبح الجسر الإلزامي للتجارة بين الخليج وأوروبا.

إغلاق مضيق هرمز أوقف عملياً شحنات النفط الخارجة من الخليج، مما دفع العراق والإمارات إلى البحث عن طريق بري سريع , لم تجد الدولتان طريقاً أقصر من ذلك الذي يمر عبر الأردن: شاحنات النفط العراقية تخرج من البصرة أو كركوك لتعبر الأراضي الأردنية ثم تتجه غرباً إلى ميناء بانياس أو اللاذقية السوري.

هذا المشهد الذي يظهر يومياً على طرقات البادية الأردنية هو ترجمة عملية لاتفاقات سياسية واقتصادية متسارعة.

الأرقام تتحدث بوضوح إذ تعبر أكثر من 400 شاحنة صهريج يومياً من العراق إلى سوريا عبر الأردن ومن المخطط أن يرتفع العدد بشكل كبير.

هذا الحراك يعني عوائد مالية فورية للأردن من رسوم العبور والجمارك، بالإضافة إلى تنشيط قطاعات الخدمات اللوجستية والمحروقات التي كانت تعاني من الركود لسنوات.

لنقل هذا الكم الهائل من البضائع والنفط كان لا بد من بناء نظام قانوني ولوجستي متكامل.

في خطوة لافتة وقّع الأردن وسوريا في أبريل الماضي أكثر من 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات النقل والطاقة والتخليص الجمركي، وهو أكبر حزمة اتفاقيات بين البلدين منذ عقود.

اللافت في هذه الاتفاقيات أنها لا تقتصر على النقل فقط بل تشمل مشاريع هيكلية كبرى : فمشروع "البصرة - العقبة" النفطي حظي بدفع هائل بعد الأزمة، وهو يهدف إلى تحويل ميناء العقبة الأردني إلى منصة تصدير بديلة عن موانئ الخليج المغلق.

كما يجري العمل بالاشتراك مع تركيا على إنشاء ممر تجاري شمالي-جنوبي يربط ميناء العقبة بموانئ المتوسط في طرطوس ومرسين، بهدف خفض تكاليف الشحن والتأشيرات بشكل دراماتيكي.

والأهم من ذلك أن الأردن بدأ فعلياً بتزويد سوريا بالغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب العربي المعطل منذ سنوات، مما يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي لتوزيع الطاقة.

نجاح هذا الممر البديل يعتمد على الاستقرار والبنية التحتية، وهنا يأتي دور الاستثمارات التي تحدثت عنها الصحف العالمية.

أبدت مجموعة (إعمار) الإماراتية اهتماماً باستثمار 7 مليارات دولار في الساحل السوري، و12 ملياراً في دمشق , لكن هذه الاستثمارات لن تجد طريقاً إلى أوروبا إلا إذا كان الممر الأردني-السوري آمناً وفعالاً.

عمّان تدرك ذلك جيداً وهي تتفاوض حالياً لتكون "شريكاً في العوائد"، إما عبر رسوم ثابتة، أو عبر حصة في مشاريع إعادة الإعمار وإدارة المناطق الحرة على الحدود , بعبارة أخرى الأردن لا يريد أن يكون مجرد (طريق عبور) تستهلكه الشاحنات، بل شريكاً أساسياً في أي نهضة اقتصادية إقليمية قادمة.

ورغم هذا التفاؤل الكبير، فإن التقرير الأصلي لـ"نيويورك تايمز" والمحللين الأردنيين، يرسمون صورة لا تخلو من العقبات الكبيرة من خلال :

أولاً : الهشاشة الأمنية تبقى الهاجس الأكبر؛ فالأردن يطلب بشكل واضح تأمين الجنوب السوري وحماية الحدود من تهريب المخدرات والأسلحة، لأنه ببساطة لا اقتصاد بدون أمن.

ثانياً : التنافس الإقليمي ما زال قائماً؛ فميناء حيفا الإسرائيلي لا يزال يقدم نفسه كمنفذ بديل للخليج، مع مزايا في السرعة والتقنيات المتطورة، مما يشكل منافسة شرسة على نفس البضائع والشركات العالمية. ثالثاً، تكلفة إعادة إعمار سوريا تتجاوز 200 مليار دولار بحسب البنك الدولي، وحتى تتعافى سوريا بشكل كامل، ستبقى الطرق تعاني من نقص حاد في الكهرباء والخدمات الأساسية، مما يعقّد عملية النقل ويرفع تكاليفها.

ما يحدث اليوم هو أكثر من مجرد تحايل على أزمة جيوسياسية عابرة , إنه إعادة رسم جزئية لخريطة التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.

بالنسبة للأردن الذي كان يعاني من أزمة اقتصادية خانقة وبطالة مرتفعة ومديونية ثقيلة، تأتي أزمة مضيق هرمز لتمنحه بطاقة عبور نادرة نحو دور إقليمي جديد , فلم يعد الأردن مجرد ساحة عبور سلبية، بل أصبح طرفاً فاعلاً ومفاوضاً في معادلة الطاقة الإقليمية.

غير أن التحدي الأعمق يكمن داخل الأردن نفسه، بعيداً عن الجغرافيا والسياسة , فالبيروقراطية الأردنية المعروفة بتعقيداتها وإجراءاتها المطولة، تشكل عقبة قد تحول هذه الفرصة الذهبية إلى سراب.

فكم من مشروع واعد توقف أمام أختام لا تنتهي، وموافقات تتطلب أشهراً، وروتيناً إدارياً يستهلك الوقت والمال قبل أن تبدأ الشاحنة الأولى رحلتها.

قطاع النقل والشحن الدولي يعتمد على السرعة والكفاءة والشفافية، وهي صفات لم تكن دائماً عنوان الإدارة الأردنية.

لقد تعلم الأردن من تجارب سابقة مؤلمة، مثل تراجع دوره كمركز إقليمي للعبور بعد تسعينيات القرن الماضي، حين فضلت شركات الشحن العالمية طرقاً بديلة أكثر سلاسة.

واليوم مع دخول لاعبين جدد مثل ميناء حيفا وممرات تركيا، فإن أي تباطؤ أو تعقيد إداري سيدفع بالبضائع والاستثمارات نحو وجهات أخرى أكثر مرونة.

نرجو أن نتعلم من أخطائنا السابقة وألا نكرر سيناريو الفرص الضائعة بسبب إجراءات داخلية جامدة.

اللحظة الحالية هي اختبار حقيقي لقدرة الأردن على إصلاح بيئته الاستثمارية، وتبسيط إجراءاته الجمركية، ورقمنة خدماته اللوجستية، وإثبات أنه ليس فقط موقعاً جغرافياً متميزاً، بل أيضاً بيئة أعمال جاذبة ومنافسة.

السؤال الحاسم الآن ليس : هل سيستفيد الأردن؟! , بل : هل ستسمح له بيروقراطيته بذلك؟! .

مع وصول أولى السفن الأوروبية المحملة ببضائع ستعبر من العقبة إلى اللاذقية، سيكون الاختبار العملي الأول لهذا الحلم الاقتصادي الجديد، واختباراً لمدى جدية الأردن في إصلاح ما يمكن إصلاحه من عوائق داخلية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 12:14