التل يكتب: لماذا نستبعد نموذجنا المعرفي من هندسة تعليمنا؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 14:57
بينما يواصل مجلس النواب مناقشة مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، ويشرع اليوم الثلاثاء في مناقشة المادة الثالثة بعد إقرار المادتين الأولى والثانية ، يقفز إلى الذهن سؤال مصيري يتعلق بالمادة 9 (أ) من هذا القانون، التي لم تُطرح بعد للنقاش لكنها تمثل جوهر الرؤية الفلسفية للمشروع بأكمله.
تنص المادة 9 (أ) على تشكيل "مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية"، برئاسة رئيس الوزراء، وعضوية وزراء الاقتصاد والعمل والثقافة والأوقاف، ورؤساء مجالس الاعتماد والجودة والعلوم والتكنولوجيا، ونقباء المهن، وغرفة الصناعة. تشكيلة واسعة تمثل الدولة والاقتصاد والنقابات والمعايير الدولية. لكنها تخلو تماماً من أي خبير في الإبستمولوجيا الإسلامية أو هندسة المناهج ذات المرجعية الحضارية.
وزير الأوقاف موجود، لكنه يمثل الشأن المسجدي والدعوي، لا يمثل منهجية بناء المعرفة في الحضارة الإسلامية. وهذا فرق جوهري يبدو أن القانون يتجاهله عمداً.
الإطار الخفي: أي فلسفة تربوية يتبناها القانون؟
عند تحليل مشروع القانون من زاوية فلسفة المعرفة، نكتشف أنه يتبنى ضمنياً النموذج الوضعي الغربي الذي يقوم على فصل الحقائق عن القيم، وتفوق المنهج التجريبي كمصدر وحيد للمعرفة.
هذا النموذج تُرجم تربوياً إلى معايير PISA وTIMSS كنظام وحيد للجودة، وإلى نظم اعتماد مستوردة من وكالات غربية.
وهنا يكمن التناقض: الحكومة تؤكد أن مشروع القانون "حافظ على الأسس الفكرية والوطنية والقومية والقيمية والإنسانية والاجتماعية التي قامت عليها منظومة التعليم في الأردن" ، لكنها في الوقت نفسه تستورد إطاراً معرفياً لا مكان فيه للقيم كجزء من بنية المعرفة ذاتها، بل كموضوعات منفصلة تدرس في حصص الوعظ والأخلاق.
أليس من التناقض أن نطالب بإعداد "موارد بشرية" منافسة عالمياً، ونستبعد من عملية إعدادها المرجعية الحضارية التي أنتجت العلم والعلماء لعصور؟!
الحضارة الإسلامية: نموذج معرفي ينتظر التطبيق
قبل أن يتهمنا البعض بـ"أسلمة المعرفة" كشعارات عاطفية، دعونا نذكر الحقائق: الحضارة الإسلامية أنتجت علماً لعصور، وكان ذلك لأنها تمتلك نظرية معرفية متكاملة يمكن صياغتها اليوم بلغة العصر:
أولاً: مصادر متعددة للمعرفة، وليس مصدراً واحداً هو التجربة فقط , فالإسلام يعترف بالوحي كمصدر للقيم الكلية والغايات، وبالعقل والمنهج التجريبي لفهم السنن الكونية، وبالوجدان كمصدر للوعي الأخلاقي.
ثانياً: غائية مقاصدية، وليس هدفاً واحداً هو "القابلية للتوظيف", فالتعليم في الرؤية الإسلامية يهدف إلى حفظ العقل (أولوية العلوم التي تنمي التفكير النقدي)، وحفظ النفس (الصحة والسلامة)، وحفظ العرض (بناء القيم والهوية)، وحفظ المال (التربية الاقتصادية المسؤولة)، وحفظ الأرض (الاستدامة والعمران)
ثالثاً: الإتقان كمعيار جودة، بديلاً عن ثقافة الدرجات والتوزيع الطبيعي. فالإتقان - الذي ورد في الحديث الشريف - يعني الوصول إلى مستوى محدد من الكفاءة، وليس التنافس حول الدرجات.
انتقادات نيابية.. لكنها لا تلامس الجوهر
نعم، سمعنا أصواتاً نيابية تنتقد مشروع القانون , فهناك مَن طالب بإعادة تعريف "المعلم" ليشمل "كل من يتولى التعليم أو أي خدمة مساندة له" . ونواب كتلة جبهة العمل الإسلامي تساءلوا عن جدوى تجاهل آراء الخبراء , لكن هذه الانتقادات، رغم أهميتها، لم تصل إلى الجوهر الفلسفي للقانون. فالمعركة الحقيقية ليست حول تعريف "المعلم" أو تفاصيل "إجازة الممارسة"، بل حول أي نموذج للمعرفة نريد أن نغرسه في عقول أبنائنا.
النموذج الوضعي المستورد ينتج عقلين منفصلين: عقل علماني في المختبر، وعقل ديني في المسجد , والنموذج الإسلامي الموحد ينتج عالماً متكاملاً يرى الآية في الكون والآية في الكتاب.
المطلوب الآن: تعديل المادة 9 (أ) قبل فوات الأوان
مشروع القانون لا يزال قيد المناقشة، والمادة 9 (أ) لم تطرح بعد للتصويت . هذا يعني أن الفرصة لا تزال قائمة للتعديل. والمطلوب ليس إضافة "شيخ" رمزي إلى المجلس، بل ثلاثة تعديلات جوهرية:
الأول: تعديل تعريف "المناهج" في المادة 2، ليشمل "الإطار المرجعي الحضاري الإسلامي كمصدر لاشتقاق نواتج التعلم وأساليب التقويم".
الثاني: تعديل المادة 9 (أ) نفسها، بإضافة ممثلين اثنين من "خبراء الإبستمولوجيا الإسلامية وهندسة المناهج ذات المرجعية الحضارية، يرشحهما مؤتمر رؤساء الجامعات من أساتذة كليات الشريعة والتربية".
الثالث: إضافة مادة جديدة تنشئ "وحدة الهندسة المعرفية للحضارة الإسلامية" تتبع المركز الوطني لتطوير المناهج، مهمتها تحويل المفاهيم الإسلامية إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس، وبناء نماذج تجريبية في المدارس.
النهاية تكون بين جذورنا وأجنحتنا
كل أمة تريد التقدم تحتاج إلى جناحين: جناح من المعايير الدولية وأدوات العصر (وهذا موجود في القانون)، وجناح من الجذور الحضارية التي تمنح التعليم هويته وغايته (وهذا غائب تماماً).
نحن لا نطلب إلغاء المعايير الدولية، ولا نطلب تعليماً دينياً وعظياً بديلاً عن العلوم. نطلب هندسة معرفية تكاملية تستمد من حضارتنا ما يصلح للعصر، ومن العصر ما لا يتعارض مع حضارتنا.
فهل يستجيب النواب لهذا المطلب قبل إقرار القانون؟! أم نبقى ننتج "موارد بشرية" تنافس عالمياً في المهارات وتفقد هويتها في القيم؟!
تنص المادة 9 (أ) على تشكيل "مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية"، برئاسة رئيس الوزراء، وعضوية وزراء الاقتصاد والعمل والثقافة والأوقاف، ورؤساء مجالس الاعتماد والجودة والعلوم والتكنولوجيا، ونقباء المهن، وغرفة الصناعة. تشكيلة واسعة تمثل الدولة والاقتصاد والنقابات والمعايير الدولية. لكنها تخلو تماماً من أي خبير في الإبستمولوجيا الإسلامية أو هندسة المناهج ذات المرجعية الحضارية.
وزير الأوقاف موجود، لكنه يمثل الشأن المسجدي والدعوي، لا يمثل منهجية بناء المعرفة في الحضارة الإسلامية. وهذا فرق جوهري يبدو أن القانون يتجاهله عمداً.
الإطار الخفي: أي فلسفة تربوية يتبناها القانون؟
عند تحليل مشروع القانون من زاوية فلسفة المعرفة، نكتشف أنه يتبنى ضمنياً النموذج الوضعي الغربي الذي يقوم على فصل الحقائق عن القيم، وتفوق المنهج التجريبي كمصدر وحيد للمعرفة.
هذا النموذج تُرجم تربوياً إلى معايير PISA وTIMSS كنظام وحيد للجودة، وإلى نظم اعتماد مستوردة من وكالات غربية.
وهنا يكمن التناقض: الحكومة تؤكد أن مشروع القانون "حافظ على الأسس الفكرية والوطنية والقومية والقيمية والإنسانية والاجتماعية التي قامت عليها منظومة التعليم في الأردن" ، لكنها في الوقت نفسه تستورد إطاراً معرفياً لا مكان فيه للقيم كجزء من بنية المعرفة ذاتها، بل كموضوعات منفصلة تدرس في حصص الوعظ والأخلاق.
أليس من التناقض أن نطالب بإعداد "موارد بشرية" منافسة عالمياً، ونستبعد من عملية إعدادها المرجعية الحضارية التي أنتجت العلم والعلماء لعصور؟!
الحضارة الإسلامية: نموذج معرفي ينتظر التطبيق
قبل أن يتهمنا البعض بـ"أسلمة المعرفة" كشعارات عاطفية، دعونا نذكر الحقائق: الحضارة الإسلامية أنتجت علماً لعصور، وكان ذلك لأنها تمتلك نظرية معرفية متكاملة يمكن صياغتها اليوم بلغة العصر:
أولاً: مصادر متعددة للمعرفة، وليس مصدراً واحداً هو التجربة فقط , فالإسلام يعترف بالوحي كمصدر للقيم الكلية والغايات، وبالعقل والمنهج التجريبي لفهم السنن الكونية، وبالوجدان كمصدر للوعي الأخلاقي.
ثانياً: غائية مقاصدية، وليس هدفاً واحداً هو "القابلية للتوظيف", فالتعليم في الرؤية الإسلامية يهدف إلى حفظ العقل (أولوية العلوم التي تنمي التفكير النقدي)، وحفظ النفس (الصحة والسلامة)، وحفظ العرض (بناء القيم والهوية)، وحفظ المال (التربية الاقتصادية المسؤولة)، وحفظ الأرض (الاستدامة والعمران)
ثالثاً: الإتقان كمعيار جودة، بديلاً عن ثقافة الدرجات والتوزيع الطبيعي. فالإتقان - الذي ورد في الحديث الشريف - يعني الوصول إلى مستوى محدد من الكفاءة، وليس التنافس حول الدرجات.
انتقادات نيابية.. لكنها لا تلامس الجوهر
نعم، سمعنا أصواتاً نيابية تنتقد مشروع القانون , فهناك مَن طالب بإعادة تعريف "المعلم" ليشمل "كل من يتولى التعليم أو أي خدمة مساندة له" . ونواب كتلة جبهة العمل الإسلامي تساءلوا عن جدوى تجاهل آراء الخبراء , لكن هذه الانتقادات، رغم أهميتها، لم تصل إلى الجوهر الفلسفي للقانون. فالمعركة الحقيقية ليست حول تعريف "المعلم" أو تفاصيل "إجازة الممارسة"، بل حول أي نموذج للمعرفة نريد أن نغرسه في عقول أبنائنا.
النموذج الوضعي المستورد ينتج عقلين منفصلين: عقل علماني في المختبر، وعقل ديني في المسجد , والنموذج الإسلامي الموحد ينتج عالماً متكاملاً يرى الآية في الكون والآية في الكتاب.
المطلوب الآن: تعديل المادة 9 (أ) قبل فوات الأوان
مشروع القانون لا يزال قيد المناقشة، والمادة 9 (أ) لم تطرح بعد للتصويت . هذا يعني أن الفرصة لا تزال قائمة للتعديل. والمطلوب ليس إضافة "شيخ" رمزي إلى المجلس، بل ثلاثة تعديلات جوهرية:
الأول: تعديل تعريف "المناهج" في المادة 2، ليشمل "الإطار المرجعي الحضاري الإسلامي كمصدر لاشتقاق نواتج التعلم وأساليب التقويم".
الثاني: تعديل المادة 9 (أ) نفسها، بإضافة ممثلين اثنين من "خبراء الإبستمولوجيا الإسلامية وهندسة المناهج ذات المرجعية الحضارية، يرشحهما مؤتمر رؤساء الجامعات من أساتذة كليات الشريعة والتربية".
الثالث: إضافة مادة جديدة تنشئ "وحدة الهندسة المعرفية للحضارة الإسلامية" تتبع المركز الوطني لتطوير المناهج، مهمتها تحويل المفاهيم الإسلامية إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس، وبناء نماذج تجريبية في المدارس.
النهاية تكون بين جذورنا وأجنحتنا
كل أمة تريد التقدم تحتاج إلى جناحين: جناح من المعايير الدولية وأدوات العصر (وهذا موجود في القانون)، وجناح من الجذور الحضارية التي تمنح التعليم هويته وغايته (وهذا غائب تماماً).
نحن لا نطلب إلغاء المعايير الدولية، ولا نطلب تعليماً دينياً وعظياً بديلاً عن العلوم. نطلب هندسة معرفية تكاملية تستمد من حضارتنا ما يصلح للعصر، ومن العصر ما لا يتعارض مع حضارتنا.
فهل يستجيب النواب لهذا المطلب قبل إقرار القانون؟! أم نبقى ننتج "موارد بشرية" تنافس عالمياً في المهارات وتفقد هويتها في القيم؟!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 14:57