إسرائيل: أهداف بعيدة المدى

أ. د. أمين المشاقبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:20
أوقعت إسرائيل الولايات المتحدة في حرب، جزءٌ منها لا يتوافق مع جملة المصالح الأمريكية في المنطقة، وخصوصاً مع دول الخليج العربي. فالأهداف المُعلنة لإسرائيل تختلف تماماً عما تريده الولايات المتحدة؛ فهي تريد إسقاط النظام الإيراني، وتفتيت المجتمع على أُسس عقائدية ومذهبية وعِرقية، وهذا هدف إسرائيلي عام نحو المنطقة. فهي تسعى لتقسيم الدول العربية على هذه الأسس، وهذا مُخطط قديم يتم إحياؤه من حين لآخر من أجل مزيد من الهيمنة على المنطقة.

ابتُليت المنطقة بوجود حكومة إسرائيلية مُتطرفة ذات طابع ديني، تسير على معتقدات توراتية قديمة في إنهاء الأغيار أو العماليق لسحقهم وإنهاء وجودهم على الأرض، وسعي رئيس الوزراء الإسرائيلي لتسجيل اسمه في التاريخ اليهودي بأنه المُخلّص والمُنقذ للشعب بالقضاء على الأعداء، وإيمانه أن جنكيزخان أفضل من السيد المسيح، وأن استخدامات القوة وسحق الأعداء أفضل بكثير من الخير والفضيلة والأخلاق التي بَنى بها السيد المسيح، ناهيك عن سعيه للاستمرار في الرئاسة لفترة قادمة، وكسب الانتخابات، والبقاء أربع سنوات أخرى.

إن التواجد العسكري الأمريكي لم يحمِ دول الخليج من الاستهداف الإيراني على القواعد، وحتى البُنى التحتية؛ فهذه الدول لم تسعَ للحرب أو العِداء مع الآخرين، إلاّ أنَّ أحد الأهداف الإسرائيلية هو جرُّ هذه الدول لحالة من الخراب والفوضى. هذه الدول تعتمد على تصدير النفط والغاز، وهو الجزء الأكبر من اقتصادها، وتعتمد كذلك على الاستيراد للسلع والخدمات، وإغلاق المنفذ البحري الوحيد، وهو مضيق هرمز، شلَّ الواقع في دول الخليج كافة؛ إذ تدفع ثمن حرب ليس لها فيها ناقة ولا جمل. هذه حرب إسرائيل الساعية للسيطرة على المنطقة، وإنهاء أي فعل للمقاومة ضد استراتيجيتها. وعليه، فإن تدمير وخلق الفوضى في دول الخليج العربي يخدم مصالح إسرائيل الكبرى. إن التدمير المُمنهج الآن في إيران-المواقع العسكرية والنووية، الموانئ، الجامعات، مراكز الأبحاث العلمية، المناطق السكنية، والبرامج العسكرية-هادف عبر ما يزيد عن ١١ ألف هدف، من أجل أن لا ترفع إيران رأسها على مدار عقود قادمة.

أما لبنان، الضحية وهو الحلقة الأضعف، فيدفع ثمناً غالياً من حيث عمليات التدمير وإخلاء منطقة الجنوب حتى نهر الليطاني، وتهجير ما يزيد عن مليون مواطن. إن المسعى الإسرائيلي للسيطرة على كامل الجنوب من أجل حماية المستوطنات الشمالية؛ فتوازن القوى غير مُتكافئ، إذ تتفوق إسرائيل بعشرات المرات عسكرياً على حزب الله. إلاّ أن الإسناد جاء من أبعاد مذهبية، وتسعى إسرائيل للتأسيس لحرب أهلية في لبنان إذا بقي حزب الله على موقفه في رفضه تسليم السلاح للحكومة؛ إذ استمر ذلك، فيعني سقوطاً للنظام السياسي اللبناني، وتوجهاً نحو حرب أهلية بين المكونات الاجتماعية والدينية، آخذين بعين الاعتبار أن نسبة الشيعة في لبنان تصل إلى 32%، وهم ثقل سكاني واجتماعي.

إذا ما ضُغط كثيراً، فسيولد الانفجار، وهذا ما تنتظره إسرائيل كنتيجة لهذه الحرب. إن استمرار هذه الحرب الكارثية ليس في مصلحة الدول في المشرق العربي؛ لأنها حرب تدمير، وتقسيم، وفوضى، ومن هنا لا بُد من الاندفاع بالضغط لإيقافها، حيث إنها متأثرة في حرب أرادتها إسرائيل لكي تكون ذات اليد العُليا، ولا أحد يقوى على الاعتراض على سلوكها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/30 الساعة 00:20