التل يكتب: هكذا يفكر الحزب، كيف تتصرف الدولة؟...قراءة أخرى في المشهد

د. مصطفى التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/18 الساعة 02:30
قبل الحديث عن تصرف الدولة، ربما يكون الأجدر بنا أن نسأل: كيف يفكر أولئك الذين يوجهون سهام النقد إلى الحزب؟! وما هي الرؤية التي يقترحونها للمشهد السياسي الأردني؟!

ثمة قراءة للمشهد تختزل الأزمة في مجرد خلاف على اسم، وتتصور أن الحل يكمن في تغيير هذا الاسم، وكأن المسألة مجرد عقدة بيروقراطية يمكن فكها بجرة قلم لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

مَن يقرأ المشهد بعين القانون والدستور لا يمكنه أن يتجاهل السؤال الجوهري: كيف يمكن لدولة ينص دستورها في المادة الثانية على أن "الإسلام دين الدولة" أن تمنع مواطنيها من التعبير السياسي المنظم عن هذه الهوية ذاتها؟! أليس في هذا تناقض صارخ بين هوية الدولة الرسمية وحق المواطنين في تنظيم أنفسهم سياسياً انطلاقاً من هذه الهوية؟!

الحديث عن "الندية" مع الدولة أو "الاستقواء" عليها يصبح في هذا السياق اتهاماً يحتاج إلى إثبات، خاصة عندما يكون المطلوب من الحزب ببساطة هو ممارسة حق دستوري كفله له الدستور.

لقد أصبح من الواضح أن المطالبة بحذف كلمة "الإسلامي" من اسم الحزب ليست مجرد تطبيق حرفي للقانون، بل هي في جوهرها محاولة لتفكيك النموذج السياسي الأكثر تماسكاً على الساحة الأردنية , فالحزب الذي يمتلك مرجعية فكرية واضحة، وبنية تنظيمية مستقرة، وقاعدة شعبية عريضة، يشكل حالة استثنائية في محيط من الأحزاب التي تعاني من "التميّع" السياسي وفقدان الهوية.

الهدف إذن ليس تطبيق القانون، بل تحييد المنافس الأقوى عبر تجريده من مقومات تميزه، فحين يُجبر الحزب على التخلي عن اسمه التاريخي ومرجعيته الواضحة، سيضطر إما إلى الدخول في صراع هوياتي داخلي يضعفه، أو إلى التحول إلى حزب عام ضبابي الهوية يشبه غيره من الأحزاب الهشة.

إن المقارنة مع التجارب الديمقراطية العريقة كفيلة بإلقاء الضوء على جوهر المشكلة , ففي دول علمانية صريحة مثل ألمانيا وإيطاليا، نجد أحزاباً مسيحية ديمقراطية تعمل علناً وتصل إلى الحكم، لأن النظام الديمقراطي الواثق من نفسه لا يخشى المنافسة الفكرية الواضحة.

هذه الأحزاب لم تخف مرجعيتها الدينية، بل حولتها إلى برامج سياسية حديثة مع الحفاظ على تماسكها الداخل, . فإذا كانت الدولة العلمانية تتسع لمثل هذه الأحزاب، فكيف بدولة الإسلام الرسمي تضيق بأحزاب تستند إلى نفس المرجعية التي تعلنها الدولة؟!

صحيح أن الدولة تتصرف بهدوء وعقلانية، وتحسب حساباتها بدقة، ولن تسمح لأي طرف أن يضع نفسه فوق القانون، ولكن صحيح أيضاً أن المواطنة لا تعني التخلي عن الهوية، وأن التعددية الحقيقية لا تقوم على أحزاب متشابهة مميعة، بل على أحزاب تعلن عن مرجعياتها بصراحة: إسلامية، وليبرالية، وقومية، واشتراكية , فقط من خلال هذا الوضوح يستطيع المواطن أن يختار بوعي، وتتم المنافسة السياسية على أساس المشاريع والبرامج.

إن الخيار المطروح اليوم ليس بين حزب متمسك باسمه ودولة تفرض سيادة القانون، هذا تبسيط مخل للأمور , الخيار الحقيقي هو بين مستقبل تسوده أحزاب ضعيفة مميعة يسهل التحكم بها، لا تقدم رؤى جريئة ولا تجرؤ على المنافسة الحقيقية، ومستقبل آخر تتنافس فيه مشاريع فكرية وسياسية واضحة وقوية، يكون التيار الإسلامي أحد أبرز أطرافها.

فهل تريد الدولة لنفسها أن تكون مثل النظم التي تخشى المنافسة الحقيقية، أم تريد أن تكون واثقة من نفسها بما يكفي للتعامل مع كل ألوان طيفها الفكري بلا إقصاء ولا خوف؟!

الدستور الأردني وثيقة متكاملة، وتفسيره يحتاج إلى أن نقرأ المادة السادسة عشرة إلى جانب المادة الثانية والمادة الخامسة عشرة معاً , وعندما نفعل ذلك، نجد أن الدولة التي دينها الإسلام تتسع لأبنائها جميعاً، وتسمح لهم بالتعبير عن هوياتهم السياسية بكل وضوح، ما داموا يلتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية.

فالدساتير لا تُفسر بإلغاء نصوص لمجرد أنها لا تلائم رؤية مسبقة، وكلنا مدعوون إلى قراءة الدستور كاملاً، لا قراءة تخدم نتيجة مراد الوصول إليها مسبقاً.

إن ما يحتاجه الأردن اليوم ليس مزيداً من إجراءات التضييق على القوى السياسية الواضحة، بل إعادة إحياء المشروع الإصلاحي على أسس سليمة تعزز مشاركة جميع القوى الوطنية الفاعلة، وتقطع الطريق على أي توجه نحو الإقصاء أو التهميش.

الدولة القوية لا تبنى على أنقاض أحزابها، ولا تستقيم بمنافسين ضعفاء، وإنما تقوى بقوة مؤسساتها ووضوح قوانينها وثقتها في قدرتها على استيعاب التناقض والاختلاف.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/18 الساعة 02:30