التل يرد على العجارمة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 23:02
طالعنا اليوم بمقال للدكتور نوفان العجارمة، تناول فيه قضية الدلالات الدينية في أسماء الأحزاب السياسية من زاوية دستورية وقانونية.
المقال كما يليق بكاتبه، مكتوب بلغة قانونية دقيقة ومنهجية واضحة، ويستحق نقاشاً جاداً يليق بحساسية الموضوع وأهميته.
غير أن الإشكال الذي أثارته قراءة الدكتور العجارمة ليس في مرجعيتها القانونية، بل في منهجية التفسير التي اعتمدتها، وفي انتقائية النصوص التي استندت إليها، وفي الخلط المفاهيمي بين "التأسيس على أساس ديني" و"الإعلان عن المرجعية الفكرية".
هذه الإشكاليات الثلاث هي ما سأخصص له هذا المقال ، آملاً أن نرتقي جميعاً إلى مستوى النقاش الذي تستحقه القضايا الدستورية الكبرى:
أولاً: وحدة النص الدستوري أم انتقائيته؟
يؤكد الدكتور العجارمة في مستهل مقاله مبدأً بالغ الأهمية، وهو أن "النصوص الدستورية تفسر بالنظر إليها باعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضاً، بحيث لا يفسر أي نص منها بمعزل عن النصوص الأخرى", هذا المبدأ هو حجر الزاوية في التفسير الدستوري السليم، وأنا أوافقه عليه تماماً.
لكن التطبيق العملي لهذا المبدأ في قراءة الدكتور العجارمة كان انتقائياً بشكل لافت , فهو يقرأ المادة ١٦/٢ من الدستور (التي توجب ألا تخالف نظم الأحزاب أحكام الدستور) والمادة ٦ (التي تحظر التمييز) والمادة ١٥ (التي تكفل حرية الرأي)، لكنه يتجاهل تماماً المادة الثانية التي تنص صراحة على أن "الإسلام دين الدولة".
السؤال المنهجي هنا: كيف يمكن الحديث عن "الوحدة العضوية" للنصوص الدستورية ثم إسقاط أحد هذه النصوص من عملية التفسير؟!
إذا كان الدستور وحدة متكاملة، فالمادة ٢ ليست مجرد "معلومة هوياتية" عابرة، بل هي معيار تأويلي ملزم يجب أن يستحضره القاضي والمشرع والمفسر عند النظر في أي نص يتصل بالهوية أو المرجعية الدينية للدولة.
فإذا قرأنا المادة ١٦/٢ إلى جانب المادة ٢، فسنصل إلى نتيجة مختلفة جذرياً: الدولة التي تعلن الإسلام ديناً لها لا يمكن أن تفسر دستورها بطريقة تحظر على المواطنين التعبير السياسي المنظم عن هذا الدين، بينما تسمح بالتعبير عن أي مرجعية فكرية أخرى, هذا هو منطق الوحدة العضوية للنصوص، وليس عزل المادة ٢ عن باقي الدستور كما حدث في المقال.
ثانياً: الخلل المفاهيمي – التأسيس على أساس ديني يختلف عن الإعلان عن المرجعية:
هنا مكمن الإشكال الجوهري في قراءة الدكتور العجارمة. فالمقال يضع علامة مساواة غير مبررة بين مفهومين مختلفين تمام الاختلاف:
المفهوم الأول: "التأسيس على أساس ديني" ويعني أن يكون الدين شرطاً للعضوية، أو معياراً للتفاضل بين الأعضاء، أو أداة لحرمان مواطن من حقه في الانضمام إلى الحزب , هذا محظور دستورياً وقانونياً بلا خلاف.
المفهوم الثاني: "الإعلان عن المرجعية الدينية" ويعني تعريف الحزب بهويته الفكرية ومصدر رؤيته السياسية، دون أن يكون ذلك شرطاً للعضوية أو أداة تمييز.
والدليل على أن هذين المفهومين ليسا شيئاً واحداً هو الواقع العملي الملموس، وليس مجرد التنظير.
فجبهة العمل الإسلامي، ومنذ تأسيسها، تضم في عضويتها مسيحيين، وتُرشحهم على مقاعدها، وهم جزء من كتلتها النيابية, هل هذا حزب "مؤسس على أساس ديني" بالمعنى الذي يحظره القانون؟! بالتأكيد لا.
لأن العضوية مفتوحة لكل مواطن يؤمن ببرنامج الحزب، بغض النظر عن دينه , إذن فالإشكال ليس في وجود مرجعية دينية، بل في التمييز, وحيث ينتفي التمييز، ينتفي المحظور الدستوري.
وعليه، فإن الفقرة (أ) من المادة ٥ من قانون الأحزاب، التي تستوجب أن "يؤسس الحزب على أساس المواطنة والمساواة"، هي ذاتها التي تثبت مشروعية جبهة العمل الإسلامي، لا العكس.
ثالثاً: القيد المعنوي – بين الافتراض والإثبات
يذهب الدكتور العجارمة إلى أن "وضع دلالة دينية في اسم الحزب... لا يعد من باب التمايز الظاهري في برنامج الحزب، بل قيداً، على الأقل معنوياً", هذه المقولة تحتاج إلى إثبات واقعي، لا إلى افتراض نظري.
فهل إعلان الحزب الليبرالي عن مرجعيته "قيد معنوي" على غير الليبراليين؟! هل تسمية الحزب الاشتراكي نفسه بهذا الاسم "قيد معنوي" على من لا يؤمن بالاشتراكية؟! هل حزب "الميثاق" يحظر على غير الموقعين على الميثاق الانضمام إليه؟! بالطبع لا.
الاسم في العمل السياسي هو أداة تعريف، لا أداة إقصاء, والناخب يقرأ الاسم فيعرف أي حزب يقترب من رؤيته للعالم، وأي حزب يبتعد عنها. هذه هي شفافية الحياة السياسية، وليست وصمة عار.
والأهم أن منع حزب من تسمية نفسه باسم يعبر عن مرجعيته الفكرية، بينما تسمح لغيره بذلك، هو في حد ذاته قيد فعلي على حرية التعبير المكفولة بالمادة ١٥ من الدستور، التي تنص على أن "حرية الرأي مكفولة، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير", والتسمية الحزبية هي الشكل الأكثر تركيزاً للتعبير عن الرأي والهوية السياسية.
رابعاً: المعضلة المنطقية في موقف المنع
قراءة الدكتور العجارمة للدستور تؤدي، من حيث لا يقصد، إلى معضلة منطقية واضحة: الدولة التي دينها الإسلام لا يجوز أن يوجد فيها حزب إسلامي، بينما الدولة العلمانية يجوز أن يوجد فيها حزب مسيحي.
هذه ليست قراءة دستورية محايدة، بل هي انحياز ضمني لصيغة علمانية متشددة لا يقرها الدستور ولا تعبر عن هوية المجتمع , فالدستور الأردني لم يختر العلمانية، بل اختار الإسلام ديناً للدولة.
وإذا كنا سنحترم هذا الخيار الدستوري، فعلينا أن نعترف بأن التعبير السياسي عن هذا الدين هو امتداد طبيعي للهوية الدستورية، وليس خروجاً عليها.
الخيارات أمامنا واضحة : إما أن تكون المرجعية الدينية ممنوعة في العمل السياسي مطلقاً، فيُمنع الحزب المسيحي في ألمانيا والحزب الإسلامي في الأردن معاً، وإما أن تكون مسموحة، فيُسمح للجميع.
أما أن تصبح العلمانية الأوروبية أكثر تسامحاً مع الدين من الدولة الإسلامية، فهذا ليس دفاعاً عن الدستور، بل تفريغ له من مضمونه.
خامساً: إبعاد الدين عن التجاذبات السياسية – حماية أم وصاية؟
يخلص الدكتور العجارمة إلى أن "إبعاد الدين عن التجاذبات السياسية تقتضيه الضرورة، فعند الحكم باسم الدين، فإن أي فشل سياسي يُحسب على الدين نفسه" , هذه حجة عاطفية قوية، لكنها منطقياً تنقلب على صاحبها.
فإذا كان هذا هو المبرر، فلماذا لا يُطبق على كل ما هو مقدس أو قيمي؟ !
لماذا لا نخاف أن يُحسب الفشل السياسي على "الوطنية" إذا فشل حزب يحمل هذا الاسم؟!
لماذا لا نخشى أن يُحسب الفشل على "الدستور" إذا فشل حزب دستوري؟!
لأن الخوف من إساءة الفهم ليس مبرراً لمنع حرية التعبير، بل هو دعوة لتطوير الخطاب السياسي، لا لإسكاته.
ثم إن الدين في الأردن ليس بعيداً عن التجاذبات السياسية أصلاً، بل هو مصدر شرعية الدولة ذاتها
. الدولة تستمد شرعيتها من المادة ٢، والملك يحكم بوصفه شريفاً هاشمياً، والقسم الدستوري يتم باسم الله، والمؤسسة العسكرية تقسم على المصحف.
فإذا كان الخوف من "حساب الفشل على الدين" مبرراً لمنع الأحزاب الإسلامية، فلماذا لا يُطبق هذا الخوف على الدولة نفسها؟!
هذا الانتقاء في تطبيق المبدأ يفضح أنه ليس مبدأً دستورياً، بل أداة إقصاء موجهة, بقصد أو غير قصد .
سادساً : المواطنة لا تعني التخلي عن الهوية
الدكتور العجارمة رجل قانون محترم، وقراءته للدستور تستحق التأمل, لكن التفسير الدستوري ليس حكراً على أحد، والمادة ٢ ليست أقل مرتبة من المادة ١٦.
المواطنة التي تجمعنا جميعاً لا تعني أن نكون نسخاً متطابقة في هوياتنا الفكرية، بل تعني أن نكون متساوين في الحقوق مع اختلافنا في المرجعيات.
منع المواطنين من التعبير عن مرجعيتهم الإسلامية في العمل السياسي المنظم ليس حماية للمواطنة، بل تفريغ لها من محتواها التنوعي.
الدستور الأردني وثيقة متكاملة، وتفسيره يحتاج إلى أن نقرأ المادة ١٦ إلى جانب المادة ٢ والمادة ١٥ معاً.
وعندما نفعل ذلك، نجد أن الدولة التي دينها الإسلام تتسع لأبنائها جميعاً، مسلمين وغير مسلمين، وتسمح لهم بالتعبير عن هوياتهم السياسية بكل وضوح، ما داموا يلتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية.
القصص لا تُقرأ من منتصفها، كما قال الدكتور العجارمة, والدساتير لا تُفسر بإلغاء نصوص لمجرد أنها لا تلائم الرؤية المسبقة , وكلنا مدعوون إلى قراءة الدستور كاملاً، لا قراءة تخدم النتيجة المراد الوصول إليها مسبقاً.
والله من وراء القصد.
المقال كما يليق بكاتبه، مكتوب بلغة قانونية دقيقة ومنهجية واضحة، ويستحق نقاشاً جاداً يليق بحساسية الموضوع وأهميته.
غير أن الإشكال الذي أثارته قراءة الدكتور العجارمة ليس في مرجعيتها القانونية، بل في منهجية التفسير التي اعتمدتها، وفي انتقائية النصوص التي استندت إليها، وفي الخلط المفاهيمي بين "التأسيس على أساس ديني" و"الإعلان عن المرجعية الفكرية".
هذه الإشكاليات الثلاث هي ما سأخصص له هذا المقال ، آملاً أن نرتقي جميعاً إلى مستوى النقاش الذي تستحقه القضايا الدستورية الكبرى:
أولاً: وحدة النص الدستوري أم انتقائيته؟
يؤكد الدكتور العجارمة في مستهل مقاله مبدأً بالغ الأهمية، وهو أن "النصوص الدستورية تفسر بالنظر إليها باعتبارها وحدة واحدة يكمل بعضها بعضاً، بحيث لا يفسر أي نص منها بمعزل عن النصوص الأخرى", هذا المبدأ هو حجر الزاوية في التفسير الدستوري السليم، وأنا أوافقه عليه تماماً.
لكن التطبيق العملي لهذا المبدأ في قراءة الدكتور العجارمة كان انتقائياً بشكل لافت , فهو يقرأ المادة ١٦/٢ من الدستور (التي توجب ألا تخالف نظم الأحزاب أحكام الدستور) والمادة ٦ (التي تحظر التمييز) والمادة ١٥ (التي تكفل حرية الرأي)، لكنه يتجاهل تماماً المادة الثانية التي تنص صراحة على أن "الإسلام دين الدولة".
السؤال المنهجي هنا: كيف يمكن الحديث عن "الوحدة العضوية" للنصوص الدستورية ثم إسقاط أحد هذه النصوص من عملية التفسير؟!
إذا كان الدستور وحدة متكاملة، فالمادة ٢ ليست مجرد "معلومة هوياتية" عابرة، بل هي معيار تأويلي ملزم يجب أن يستحضره القاضي والمشرع والمفسر عند النظر في أي نص يتصل بالهوية أو المرجعية الدينية للدولة.
فإذا قرأنا المادة ١٦/٢ إلى جانب المادة ٢، فسنصل إلى نتيجة مختلفة جذرياً: الدولة التي تعلن الإسلام ديناً لها لا يمكن أن تفسر دستورها بطريقة تحظر على المواطنين التعبير السياسي المنظم عن هذا الدين، بينما تسمح بالتعبير عن أي مرجعية فكرية أخرى, هذا هو منطق الوحدة العضوية للنصوص، وليس عزل المادة ٢ عن باقي الدستور كما حدث في المقال.
ثانياً: الخلل المفاهيمي – التأسيس على أساس ديني يختلف عن الإعلان عن المرجعية:
هنا مكمن الإشكال الجوهري في قراءة الدكتور العجارمة. فالمقال يضع علامة مساواة غير مبررة بين مفهومين مختلفين تمام الاختلاف:
المفهوم الأول: "التأسيس على أساس ديني" ويعني أن يكون الدين شرطاً للعضوية، أو معياراً للتفاضل بين الأعضاء، أو أداة لحرمان مواطن من حقه في الانضمام إلى الحزب , هذا محظور دستورياً وقانونياً بلا خلاف.
المفهوم الثاني: "الإعلان عن المرجعية الدينية" ويعني تعريف الحزب بهويته الفكرية ومصدر رؤيته السياسية، دون أن يكون ذلك شرطاً للعضوية أو أداة تمييز.
والدليل على أن هذين المفهومين ليسا شيئاً واحداً هو الواقع العملي الملموس، وليس مجرد التنظير.
فجبهة العمل الإسلامي، ومنذ تأسيسها، تضم في عضويتها مسيحيين، وتُرشحهم على مقاعدها، وهم جزء من كتلتها النيابية, هل هذا حزب "مؤسس على أساس ديني" بالمعنى الذي يحظره القانون؟! بالتأكيد لا.
لأن العضوية مفتوحة لكل مواطن يؤمن ببرنامج الحزب، بغض النظر عن دينه , إذن فالإشكال ليس في وجود مرجعية دينية، بل في التمييز, وحيث ينتفي التمييز، ينتفي المحظور الدستوري.
وعليه، فإن الفقرة (أ) من المادة ٥ من قانون الأحزاب، التي تستوجب أن "يؤسس الحزب على أساس المواطنة والمساواة"، هي ذاتها التي تثبت مشروعية جبهة العمل الإسلامي، لا العكس.
ثالثاً: القيد المعنوي – بين الافتراض والإثبات
يذهب الدكتور العجارمة إلى أن "وضع دلالة دينية في اسم الحزب... لا يعد من باب التمايز الظاهري في برنامج الحزب، بل قيداً، على الأقل معنوياً", هذه المقولة تحتاج إلى إثبات واقعي، لا إلى افتراض نظري.
فهل إعلان الحزب الليبرالي عن مرجعيته "قيد معنوي" على غير الليبراليين؟! هل تسمية الحزب الاشتراكي نفسه بهذا الاسم "قيد معنوي" على من لا يؤمن بالاشتراكية؟! هل حزب "الميثاق" يحظر على غير الموقعين على الميثاق الانضمام إليه؟! بالطبع لا.
الاسم في العمل السياسي هو أداة تعريف، لا أداة إقصاء, والناخب يقرأ الاسم فيعرف أي حزب يقترب من رؤيته للعالم، وأي حزب يبتعد عنها. هذه هي شفافية الحياة السياسية، وليست وصمة عار.
والأهم أن منع حزب من تسمية نفسه باسم يعبر عن مرجعيته الفكرية، بينما تسمح لغيره بذلك، هو في حد ذاته قيد فعلي على حرية التعبير المكفولة بالمادة ١٥ من الدستور، التي تنص على أن "حرية الرأي مكفولة، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير", والتسمية الحزبية هي الشكل الأكثر تركيزاً للتعبير عن الرأي والهوية السياسية.
رابعاً: المعضلة المنطقية في موقف المنع
قراءة الدكتور العجارمة للدستور تؤدي، من حيث لا يقصد، إلى معضلة منطقية واضحة: الدولة التي دينها الإسلام لا يجوز أن يوجد فيها حزب إسلامي، بينما الدولة العلمانية يجوز أن يوجد فيها حزب مسيحي.
هذه ليست قراءة دستورية محايدة، بل هي انحياز ضمني لصيغة علمانية متشددة لا يقرها الدستور ولا تعبر عن هوية المجتمع , فالدستور الأردني لم يختر العلمانية، بل اختار الإسلام ديناً للدولة.
وإذا كنا سنحترم هذا الخيار الدستوري، فعلينا أن نعترف بأن التعبير السياسي عن هذا الدين هو امتداد طبيعي للهوية الدستورية، وليس خروجاً عليها.
الخيارات أمامنا واضحة : إما أن تكون المرجعية الدينية ممنوعة في العمل السياسي مطلقاً، فيُمنع الحزب المسيحي في ألمانيا والحزب الإسلامي في الأردن معاً، وإما أن تكون مسموحة، فيُسمح للجميع.
أما أن تصبح العلمانية الأوروبية أكثر تسامحاً مع الدين من الدولة الإسلامية، فهذا ليس دفاعاً عن الدستور، بل تفريغ له من مضمونه.
خامساً: إبعاد الدين عن التجاذبات السياسية – حماية أم وصاية؟
يخلص الدكتور العجارمة إلى أن "إبعاد الدين عن التجاذبات السياسية تقتضيه الضرورة، فعند الحكم باسم الدين، فإن أي فشل سياسي يُحسب على الدين نفسه" , هذه حجة عاطفية قوية، لكنها منطقياً تنقلب على صاحبها.
فإذا كان هذا هو المبرر، فلماذا لا يُطبق على كل ما هو مقدس أو قيمي؟ !
لماذا لا نخاف أن يُحسب الفشل السياسي على "الوطنية" إذا فشل حزب يحمل هذا الاسم؟!
لماذا لا نخشى أن يُحسب الفشل على "الدستور" إذا فشل حزب دستوري؟!
لأن الخوف من إساءة الفهم ليس مبرراً لمنع حرية التعبير، بل هو دعوة لتطوير الخطاب السياسي، لا لإسكاته.
ثم إن الدين في الأردن ليس بعيداً عن التجاذبات السياسية أصلاً، بل هو مصدر شرعية الدولة ذاتها
. الدولة تستمد شرعيتها من المادة ٢، والملك يحكم بوصفه شريفاً هاشمياً، والقسم الدستوري يتم باسم الله، والمؤسسة العسكرية تقسم على المصحف.
فإذا كان الخوف من "حساب الفشل على الدين" مبرراً لمنع الأحزاب الإسلامية، فلماذا لا يُطبق هذا الخوف على الدولة نفسها؟!
هذا الانتقاء في تطبيق المبدأ يفضح أنه ليس مبدأً دستورياً، بل أداة إقصاء موجهة, بقصد أو غير قصد .
سادساً : المواطنة لا تعني التخلي عن الهوية
الدكتور العجارمة رجل قانون محترم، وقراءته للدستور تستحق التأمل, لكن التفسير الدستوري ليس حكراً على أحد، والمادة ٢ ليست أقل مرتبة من المادة ١٦.
المواطنة التي تجمعنا جميعاً لا تعني أن نكون نسخاً متطابقة في هوياتنا الفكرية، بل تعني أن نكون متساوين في الحقوق مع اختلافنا في المرجعيات.
منع المواطنين من التعبير عن مرجعيتهم الإسلامية في العمل السياسي المنظم ليس حماية للمواطنة، بل تفريغ لها من محتواها التنوعي.
الدستور الأردني وثيقة متكاملة، وتفسيره يحتاج إلى أن نقرأ المادة ١٦ إلى جانب المادة ٢ والمادة ١٥ معاً.
وعندما نفعل ذلك، نجد أن الدولة التي دينها الإسلام تتسع لأبنائها جميعاً، مسلمين وغير مسلمين، وتسمح لهم بالتعبير عن هوياتهم السياسية بكل وضوح، ما داموا يلتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية.
القصص لا تُقرأ من منتصفها، كما قال الدكتور العجارمة, والدساتير لا تُفسر بإلغاء نصوص لمجرد أنها لا تلائم الرؤية المسبقة , وكلنا مدعوون إلى قراءة الدستور كاملاً، لا قراءة تخدم النتيجة المراد الوصول إليها مسبقاً.
والله من وراء القصد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 23:02