التاريخ الأردني
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 00:50
أصبح التاريخ في عصرنا الحديث علمًا قائمًا بذاته، له قواعده في الكتابة وأساليبه المنهجية، ويستقي مصادره من علوم متعددة، مثل علم الآثار، والوثائق، والعملات، والسجلات، وصولًا إلى حقول معرفية أخرى.
وفي عالم اليوم، لا يمكن إنتاج استراتيجي أو محلل، ولا بناء مؤسسة، دون ذاكرة، كما لا يمكن لمجتمع أن يعيش منقطعًا عن ماضيه. ونحن في المشرق شعوب "ماضوية" بطبعها، ولهذا الأمر جوانبه الإيجابية والسلبية؛ ومن أبرز سلبياته التعامل مع ما يأتي من الماضي بوصفه مقدسًا في كثير من الأحيان.
وفي حالتنا الأردنية، ما يزال تاريخنا يدور في فلك المحاولات، ولم تُصغ بعد رؤية شاملة تجيب عن السؤال الأهم: ماذا نريد من التاريخ؟ وربما أيضًا: ماذا يريد التاريخ منا؟
الأردنيون من أكثر الشعوب اعتزازًا واستحضارًا لتاريخهم، إلا أن الإشكالية تكمن في الثقافة التاريخية، وفي ضعف إدراك السياقات الصحيحة لكثير من المرويات الشفوية المتداولة بين الناس، إضافة إلى غياب رواية وطنية موحّدة تجمع الرموز، وتعزز قيم المجتمع ودوره في بناء وطنه، وتبرز محطات مفصلية جنّبت البلاد تحولات خطيرة. وتاريخنا غني بهذه المواقف، لكن الشحيح هو البحث فيها ونشرها.
وحتى اللحظة، لم تبرز مدرسة وطنية في كتابة التاريخ بجرأة ووضوح، تُبيّن أن كثيرًا مما هو متداول لا يتجاوز كونه "انطباعات" أو مرويات شفوية لا تصمد أمام أي منهج بحث علمي رصين.
ويقابل غياب المدرسة البحثية وإهمال "الوثيقة الوطنية" معطى لا يقل أهمية، وهو غياب "الراوي" المؤهل، أو عدم امتلاكه الأدوات الكافية لإيصال ما حدث فعلاً إلى الطالب والمجتمع، لا ما نودّ أن يكون قد حدث.
الرواية، والسردية، والتأريخ؛ مفاهيم كثيرًا ما يُتحدّث عنها، لكن أي مشروع لا ينطلق من جميع المصادر، ولا يعتمد أدوات البحث المعروفة في الجمع والتحليل، لن يصل إلى غايته المنشودة، وهي بناء رواية وطنية أردنية متكاملة. رواية غنية، مشبعة بقيم الشرعية الهاشمية ورسالتها، ومعبرة بصدق عن قيم الأردنيين. فهناك الكثير مما ينبغي جمعه، والكثير مما يحتاج إلى معالجة، والأكثر مما يستحق أن يُروى، إلا أننا لم نصل بعد إلى هذه الرؤية الواسعة.
وما نحتاجه لتعزيز هذه الفكرة وترجمتها إلى أثر حقيقي متجذر في وعي الأجيال هو "الديمومة". وهذا يتطلب دعم الحواضن القائمة، وإيجاد حاضنة وطنية جامعة. فالتاريخ الفرنسي، على سبيل المثال، شهد نشوء مدرسة الحوليات التي تعمقت في دراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والذهنيات، في مقابل المدرسة الوضعية التي ركزت على الوثيقة؛ وهو حوار علمي أنتج تاريخًا وساهم في صياغة رواية وطنية.
ومثال آخر، في جامعة لندن اليوم مركز رائد في الدراسات التاريخية، يُعد "التاريخ الرقمي" أحد مهامه الأساسية، وهو حقل علمي ناشئ يهدف إلى تمكين الناس من رؤية ماضيهم عبر الشاشات، والتفاعل مع ذاكرتهم الجمعية، وتعزيز دور المتاحف، ونشر الثقافة التاريخية لصالح الجميع.
فالتاريخ رغبة حاضرة لدى معظم الناس، لكن التعاطي معه في سياق وطني يجب أن يكون جامعًا لا مُفرِّقًا، وهو ما يتطلب جهدًا نخبويًا أكاديميًا وثقافيًا، لا تركه بابًا مفتوحًا للاجتهاد الفردي، بما يحوّله إلى حالة من التشظي أو الصراع، أو أداة لنشر الكراهية. كما يتطلب مواجهة الحقائق بجرأة، ووضعها في سياقاتها الصحيحة.
وربما يجيب هذا كله عن سؤالنا الجوهري: ماذا نريد من التاريخ؟ نريده أن يكون جامعًا ومعززًا، يرفد حاضرنا، لا مادة للصخب والجدل المتسرع، أو للاستهلاك السريع دون روية.
وحتى لا تبقى الرواية الأردنية الموجّهة إلى الخارج رهينة انطباعات كتبها آخرون عن الأردن، ولاقَت رواجًا رغم ما حملته من ظلم وجور لمواقف بلدنا البيضاء، فإن مسؤوليتنا اليوم هي تصحيح هذه السرديات، وبناء روايتنا الوطنية بأيدينا.
وفي عالم اليوم، لا يمكن إنتاج استراتيجي أو محلل، ولا بناء مؤسسة، دون ذاكرة، كما لا يمكن لمجتمع أن يعيش منقطعًا عن ماضيه. ونحن في المشرق شعوب "ماضوية" بطبعها، ولهذا الأمر جوانبه الإيجابية والسلبية؛ ومن أبرز سلبياته التعامل مع ما يأتي من الماضي بوصفه مقدسًا في كثير من الأحيان.
وفي حالتنا الأردنية، ما يزال تاريخنا يدور في فلك المحاولات، ولم تُصغ بعد رؤية شاملة تجيب عن السؤال الأهم: ماذا نريد من التاريخ؟ وربما أيضًا: ماذا يريد التاريخ منا؟
الأردنيون من أكثر الشعوب اعتزازًا واستحضارًا لتاريخهم، إلا أن الإشكالية تكمن في الثقافة التاريخية، وفي ضعف إدراك السياقات الصحيحة لكثير من المرويات الشفوية المتداولة بين الناس، إضافة إلى غياب رواية وطنية موحّدة تجمع الرموز، وتعزز قيم المجتمع ودوره في بناء وطنه، وتبرز محطات مفصلية جنّبت البلاد تحولات خطيرة. وتاريخنا غني بهذه المواقف، لكن الشحيح هو البحث فيها ونشرها.
وحتى اللحظة، لم تبرز مدرسة وطنية في كتابة التاريخ بجرأة ووضوح، تُبيّن أن كثيرًا مما هو متداول لا يتجاوز كونه "انطباعات" أو مرويات شفوية لا تصمد أمام أي منهج بحث علمي رصين.
ويقابل غياب المدرسة البحثية وإهمال "الوثيقة الوطنية" معطى لا يقل أهمية، وهو غياب "الراوي" المؤهل، أو عدم امتلاكه الأدوات الكافية لإيصال ما حدث فعلاً إلى الطالب والمجتمع، لا ما نودّ أن يكون قد حدث.
الرواية، والسردية، والتأريخ؛ مفاهيم كثيرًا ما يُتحدّث عنها، لكن أي مشروع لا ينطلق من جميع المصادر، ولا يعتمد أدوات البحث المعروفة في الجمع والتحليل، لن يصل إلى غايته المنشودة، وهي بناء رواية وطنية أردنية متكاملة. رواية غنية، مشبعة بقيم الشرعية الهاشمية ورسالتها، ومعبرة بصدق عن قيم الأردنيين. فهناك الكثير مما ينبغي جمعه، والكثير مما يحتاج إلى معالجة، والأكثر مما يستحق أن يُروى، إلا أننا لم نصل بعد إلى هذه الرؤية الواسعة.
وما نحتاجه لتعزيز هذه الفكرة وترجمتها إلى أثر حقيقي متجذر في وعي الأجيال هو "الديمومة". وهذا يتطلب دعم الحواضن القائمة، وإيجاد حاضنة وطنية جامعة. فالتاريخ الفرنسي، على سبيل المثال، شهد نشوء مدرسة الحوليات التي تعمقت في دراسة الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والذهنيات، في مقابل المدرسة الوضعية التي ركزت على الوثيقة؛ وهو حوار علمي أنتج تاريخًا وساهم في صياغة رواية وطنية.
ومثال آخر، في جامعة لندن اليوم مركز رائد في الدراسات التاريخية، يُعد "التاريخ الرقمي" أحد مهامه الأساسية، وهو حقل علمي ناشئ يهدف إلى تمكين الناس من رؤية ماضيهم عبر الشاشات، والتفاعل مع ذاكرتهم الجمعية، وتعزيز دور المتاحف، ونشر الثقافة التاريخية لصالح الجميع.
فالتاريخ رغبة حاضرة لدى معظم الناس، لكن التعاطي معه في سياق وطني يجب أن يكون جامعًا لا مُفرِّقًا، وهو ما يتطلب جهدًا نخبويًا أكاديميًا وثقافيًا، لا تركه بابًا مفتوحًا للاجتهاد الفردي، بما يحوّله إلى حالة من التشظي أو الصراع، أو أداة لنشر الكراهية. كما يتطلب مواجهة الحقائق بجرأة، ووضعها في سياقاتها الصحيحة.
وربما يجيب هذا كله عن سؤالنا الجوهري: ماذا نريد من التاريخ؟ نريده أن يكون جامعًا ومعززًا، يرفد حاضرنا، لا مادة للصخب والجدل المتسرع، أو للاستهلاك السريع دون روية.
وحتى لا تبقى الرواية الأردنية الموجّهة إلى الخارج رهينة انطباعات كتبها آخرون عن الأردن، ولاقَت رواجًا رغم ما حملته من ظلم وجور لمواقف بلدنا البيضاء، فإن مسؤوليتنا اليوم هي تصحيح هذه السرديات، وبناء روايتنا الوطنية بأيدينا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/11 الساعة 00:50