التل يكتب: من دهشة طفل إلى مستقبل لغة.. رحلة في مختبرات الذكاء الاصطناعي بجامعة البلقاء التطبيقية

د. مصطفى التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/13 الساعة 08:26
في اليوم السابق، وجدتُ نفسي وابنِي همام - الطفل المتعلق بعالم التكنولوجيا - داخل حرم جامعة البلقاء التطبيقية، في رحلة استكشافية جمعت بين إتمام عملٍ لي وتلبية شغف طفلٍ يبحث عن فهمٍ لعالم الذكاء الاصطناعي الغامض.

ما حدث كان أبعد من مجرد زيارة عابرة، بل تحوّل إلى نموذجٍ حيّ للعلم الذي يفتح أبوابه للأجيال الناشئة، وملتقى فكري تناول مستقبل لغتنا العربية في عصر التكنولوجيا.

بدون ترتيبٍ مسبق أو معرفة سابقة، استقبلتنا المهندسة ديانا الطهراوي من كلية الذكاء الاصطناعي، لتبدأ رحلة تعليمية فريدة لطفلٍ في عمر الزهور, لم تتردد المهندسة ديانا في اصطحاب همام في جولة داخل مختبرات الكلية المتطورة، حيث التقى وجهاً لوجه مع "بيبر" - الإنسان الآلي الذي أنتجته عقول مهندسي الجامعة المبدعة.

كان تفاعل همام مع هذا الروبوت لحظة سحرية، حيث رأيت عينيه تتسعان دهشة وهو يشاهد كيف يمكن للبرمجة الذكية أن تحوّل معادن وإلكترونيات إلى كيانٍ يتفاعل مع البشر، ويستجيب للأوامر، ويفتح آفاقاً لا حدود لها للإبداع.

المهندسة ديانا والمهندس المشرف على برمجة الإنسان الآلي لم يكونوا مجرد موظفين يؤديان واجباً، بل تجسيداً حقيقياً للرسالة التعليمية النبيلة , تعاملوا مع الطفل بجدية لافتة، وأجابوا عن كل استفساراته بكل صبرٍ وتفصيل، وكأنهم يزرعون بذرة علمٍ في تربة خصبة، يعلمون أنها ستُثمر يوماً ما إبداعاً وابتكاراً.

وفي حديثنا الجانبي العميق، تطرقنا إلى قضايا محورية، من أبرزها مكانة اللغة العربية في عالم البرمجة ولغاتها، وهي قضية كشفت عن تحديات عميقة وفرص استثنائية .

ناقشنا واقعاً مريراً وهو الهيمنة شبه الكاملة للغات الأجنبية على عالم البرمجة، حيث تغيب العربية عن لغات البرمجة الرئيسية، وتقتصر ترجمتها على واجهات المستخدم السطحية فقط، بينما تظل البنى التحتية والتقنيات الأساسية غريبة عن لغتنا الأم.

الشاب العربي الذي يتعلم البرمجة عليه أولاً تجاوز حاجز اللغة الإنجليزية قبل أن يبدأ في فهم المنطق البرمجي نفسه، مما يخلق عقبة مزدوجة في طريق الإبداع التقني.

تخيلوا معي طفلاً في عمر همام يفتح محرر أكواد ليجد شيئاً مثل لغة بايثون Python بكلمات إنجليزية وحروف لاتينية، غريبة تماماً عن عالمه اللغوي , لكن ماذا لو رأى بدلاً من ذلك كلمات عربية يفهمها بسهولة؟! كم سيكون الفرق شاسعاً! كم ستكون البرمجة أقرب إلى عقله وقلبه! .

هذه الهيمنة اللغوية لا تقتصر على صعوبة تقنية فحسب، بل تمتد إلى عوائق نفسية وثقافية تثقل كاهل العقل الصغير وتحد من إبداعه.

لكن في مختبرات جامعة البلقاء التطبيقية، رأينا بصيص أمل , فالمهندسون والمبرمجون االاردنيون يبذلون جهوداً حثيثة لسد هذه الفجوة من خلال تطوير أدوات برمجية تدعم اللغة العربية، ومبادرات تعريب للمفاهيم البرمجية المعقدة ولو كانت محدودة لعدم وجود الداعم ، وبرامج تعليمية مخصصة تُقدم بلغة عربية مبسطة للناشئة.

شاركت المهندسة ديانا رؤيتها حول هذا الأمر، وأكدت أن التحدي ليس تقنياً فقط، بل نفسياً وثقافياً، وأن الطريق نحو برمجة عربية أصيلة يبدأ بالإيمان بأن طفلنا العربي قادر على الابتكار التقني بلغته.

ومع ذلك، كشف حوارنا عن تحديات جوهرية تواجه تعريب البرمجة، منها التحدي التقني في تصميم لغات برمجة تدعم الكتابة من اليمين لليسار ومعالجة الحروف العربية المتصلة، وتحدي المصطلحات مع الافتقار لمصطلحات عربية موحدة للمفاهيم البرمجية الحديثة , مع تحدي المصادر وندرة المراجع التعليمية المتقدمة باللغة العربية في هذا المجال.

تتفاقم هذه التحديات مع عقبة مالية كبيرة، حيث كشف حوارنا أيضاً عن ندرة الدورات التدريبية المناسبة للجيل الناشئ، وخاصة الأطفال، وارتفاع كلفتها المادية الباهظة التي تجعلها حكراً على فئة محدودة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها العديد من العائلات الأردنية والعربية , هذه العقبة المالية تخلق حلقة مفرغة مع الحاجز اللغوي، مما يمنع العديد من المواهب الشابة من دخول هذا المجال الحيوي.

من خلال حوارنا الثري، تأكد لنا أن البرمجة باللغة العربية ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية , عندما يبرمج الطفل بلغته الأم، فإنه يفكر بسلاسة أكبر لأن اللغة الأم هي وسيلة التفكير الطبيعية، ويبدع بحرية أوسع لعدم وجود حاجز الترجمة الذهنية، ويربط المفاهيم البرمجية بخبراته الحياتية العربية، ويطور حلولاً تناسب بيئته وثقافته , إنها قضية تمكين أوسع لشريحة أكبر من المجتمع العربي، وتعزيز للإبداع وحماية للهوية الرقمية ودفع للاقتصاد الرقمي.

لقد رأيت في عيني همام وهو يتفاعل مع الروبوت "بيبر" أنه لا يحتاج إلى مجرد شرح تقني، بل إلى وسيلة تمكنه من فهم هذا العالم بلغته الخاصة.

المهندسة ديانا وفريقها أدركوا ذلك، ولذلك تعاملوا معه بلغة عربية واضحة، وحاولوا ربط التقنية بمفاهيم يعرفها , هذا هو النموذج الذي نحتاجه: علماء ومهندسون لا يتقنون لغات البرمجة فحسب، بل يحملون همّ تعريب المعرفة وجعلها في متناول الأجيال الناشئة.

لذلك، نرى ضرورة العمل على عدة محاور: تطوير مناهج تعليمية عربية للبرمجة تبدأ من المراحل التعليمية المبكرة، باستخدام أمثلة من البيئة العربية، وتوفير دورات تدريبية ميسورة التكلفة للناشئة مع دعم ذوي الدخل المحدود، وتشجيع البحث العلمي في معالجة اللغة العربية حاسوبياً وتطوير أدوات برمجية تدعمها، وإنشاء مسابقات وومنافسات لتطوير تطبيقات وبرمجيات باللغة العربية.

إن ما يميز التجربة في جامعة البلقاء التطبيقية ليس فقط التكنولوجيا المتقدمة، بل الروح التي تحركها : روح المهندسة ديانا والمهندس المبرمج للرجل الآلي والمشرف عليه الذين لم يروا في همام مجرد طفل زائر، بل رأوا فيه باحثاً صغيراً يستحق الإجابة على كل سؤال، ومستقبلاً واعداً يجب استثماره ,هذه هي الفلسفة الحقيقية للتعليم التطبيقي الذي تتبناه الجامعة: تعليم يرتبط بالمجتمع، وعلوم تتحدث بلغة الناس، وتقنية تخدم الإنسان.

ختاماً، أتوجه بجزيل الشكر والعرفان إلى المهندسة ديانا الطهراوي، وإلى جميع مهندسي وطلاب كلية الذكاء الاصطناعي في جامعة البلقاء التطبيقية، الذين يجسدون بروحهم التعاونية والعلمية صورة المشهد التعليمي الأردني في أبهى حُلَته , لقد قدّمتم لنا نموذجاً يُحتذى في الانفتاح على المجتمع ونشر العلم، مع الحفاظ على هويتنا اللغوية.

نتمنى لكم جميعاً مزيداً من التقدم والازدهار، وأن تظلوا منارات تنير طريق الأجيال القادمة نحو مستقبل تقني واعد، تكون فيه لغتنا العربية حاضرة بفاعلية، وأطفالنا مستعدين لقيادة ثورة التكنولوجيا القادمة، حيث يتفاعلون مع الآلات بلغة أجدادهم، ويصنعون المستقبل بثقافتهم وهويتهم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/13 الساعة 08:26