حلف عربي جديد لإنقاذ المستقبل


28/06/2021 01:15

فايز الفايز

إن مجرد عقد قمة رئاسية بين زعماء ثلاث دول عربية في ظل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي التي تلف عالمنا العربي هو إنجاز كبير يسجل للقادة في مسعاهم للتأكيد على طي أوراق الزمن البائس وللوصول الى مستقبل يحتم علينا بالضرورة القصوى الالتفات الى مصالح الدول والشعوب العربية جمعاء والتي أكد عليها الملك عبدالله الثاني مراراً وتكراراً ليلفت الانتباه الى خطورة دفن الرؤوس تحت الرمال، بينما الأجيال الجديدة لا ينقصها الإحباط وسوداوية المشهد الذي قد يهدد استقرار المنطقة برمتها.

الملك وقبل سفره الى بغداد طاف على مقامات الصحابة الأخيار في مؤتة وهذا تأكيد على أهمية العاطفة الوجدانية لقداسة آل البيت ممن ارتقوا شهداءً في فجر الإسلام الأول، وهو تذكير بأن أرض الأردن تحمل قداسة رفيعة دافع عنها أهل الحجاز مع نصارى الأردن ضد الغزو الإمبراطوري الأوروبي الغريب عن بلادنا، والرسالة واضحة بأن أول دماء الفتح كانت خضابا لهذه الديار وستبقى مزارا للطائفين على مقامات الصحب الكرام، وفي العراق منهم الكثير في النجف وكربلاء ممن نصروا بيت رسول الله، وليس أدل من قدسية المكان كقبور الأنبياء والصحابة، والتي يشترك اتباع الديانات والمذاهب في قداسة مقاماتهم أو اضرحتهم، كقاسم مشترك للعيش والزيارة بعيدا عن الغلو والتطرف، ورسالتنا أن الأردن مفتوح لجميع المؤمنين.

طالما كان الأردن هو الدولة الوحيدة التي تفتح نوافذها على جميع الدول العربية، أحيانا كان يغلقها لأسباب سياسية تتعلق بالأمن الوطني خصوصا مع العراق زمن حكم البعث حتى بداية ثمانينات القرن المنصرم، عقب انفتاح الرئيس الراحل صدام حسين على محيطه العربي باستثناء سوريا، ولعب الأردن دورا كبيرا في دعم اقتصاد الواردات والصادرات العراقية كالنفط بعد الحرب مع ايران، كانت تلك الحقبة الذهبية للاقتصاد الأردني، وكان من الممكن أن يتحول الاردن الى سنغافورة قبل ان يعرفها العالم لو أحسن المسؤولون تلك الأيام سياساتهم الاقتصادية بدل الرعوية الخارجية، من هنا تبرز أهمية القمة الثلاثية في بغداد أمس.

في عام 1989 قررت الرئاسات الثلاث في العراق ومصر واليمن الشمالي والمملكة الأردنية الهاشمية تأسيس مجلس تعاون عربي يكون اجتماعه الأول في بغداد التي خرجت للتو من حرب مدمرة للتنمية الاقتصادية والبشرية ومن هناك أعلن الزعماء الذين رحلوا عن الدنيا قيام مجلس التعاون العربي والهادف إلى تحقيق تكامل اقتصادي واستثماري وصولاً الى سوق عربية مشتركة تؤدي الى وحدة اقتصادية عربية يساندها تعاون دفاعي عسكري وأمني متكامل وكان مقر الأمانة العامة في العاصمة عمان ولم يستمر ذلك الحلف سوى 17 شهراً كان من الممكن أن يغير وجه الشرق العربي للأفضل لولا غزو القوات العراقية للكويت، الذي فتح باب السقوط الذريع للشرق العربي المتشظي وجعاً.

اليوم بعد اثنين وثلاثين عاماً يخرج الاجتماع الثالث لزعماء الأردن ومصر والعراق كمقاربة لذات الطموحات التي قاتل من اجلها الملك الحسين لرأب صدع العرب وتبريد الجبهات السياسية بين الخصوم ومنهم سوريا ايضا، وكان يدرك جيدا حجم الكارثة التي رآها العالم العربي فيما بعد، ولهذا فإن الدخول في محور عربي جديد يرمي عن ظهره مخلفات الماضي هو أقصى أماني الشعوب التي وقعت اليوم ضحية خلافات شخصية بين الأضداد والحكومات والجماعات المتناحرة حتى هبطت كورونا عليهم بغير سلام، فالشعوب ليس بينهم سوى السلام والوئام ونصرة بعضهم بعضاً في كل الرزايا التي تقع عليهم، وهم ينظرون اليوم للقيادات كي يجمعوا شملهم لمواجهة المستقبل المجهول.

نحن في الأردن لا ننسى فضل العراقيين على بلدنا شعبا وحكومات، ولا يغمط العراقيون فضل الأردن بفتح أبوابه لملايين العراقيين مقيمين وزائرين، والعراق بيئة خصبة للعمل والتجارة والاستثمار رغم ما يعانيه من هنات سياسية وأمنيّة، فيما تشكل مصر الكبرى عمقا قويا باقتصادها القوي وحركة العمالة النشطة ومشاريعها الصناعية والزراعية العملاقة، وإن وصلنا الى محور عربي جديد متكامل فستكون تلك العتبة التي سنضع عليها القدم القوية للخروج من تردي اقتصاداتنا التي ستؤثر حتما على ظروفنا الأمنية لا قدر الله، وهذه فرصة للعمل سريعا دون إبطاءٍ ولا تفريط بالوقت الذي لم يعد لصالحنا ولإعادة دفع حركة الاقتصاد مع جميع دولنا العربية بلا استثناء.

[email protected]
الرأي