عبدالهادي راجي المجالي يكتب: هيكل


28/07/2020 02:34

عبدالهادي راجي المجالي

... في ذكرى عبدالناصر، من الممكن أن تتحدث عن المشروع وليس الزعيم الخالد فقط.. وحين تتحدث عن الناصرية، تقف مطولا عند محمد حسنين هيكل، الذي أنتج المشروع، وساهم في في وضع مصر على الخارطة العالمية كند، وكان من مؤسسي حركة عدم الانحياز.. ومن المنظرين للناصرية.

لكن الغريب أن مصر بكل ما تملك من مؤسسات إعلامية، وبكل ما أنتجت من دراما وسينما لم تنتج للان فيلماً عن حياة هيكل، أو مسلسلاً.. بالمقابل في دولة صغيرة مثل الأردن، أغلبية من عبروا على السلطة أنتجوا كتباً، تحمل مذكراتهم ومواقفهم، وبعضهم أنتج في العشائر وتاريخها، والبعض الاخر يوقع اتفاقيات لإنتاج فيلم عن حياته، وبعضهم صار مهووساً بـ «السوشيال ميديا» ويبث نظرياته، في المرحلة والقانون والعلاقة من الاخر عبرها.

هيكل كان منظر الناصرية، ومنظر المرحلة.. كان يمثل العقل في السلطة، وظل يكره الألقاب والمناصب، بالرغم من أنه تسلم جريدة الأهرام، وكان وزيراً للإعلام.. كان اللقب الأحب على قلبه هو: (الأستاذ)، حتى حين وفاته، نعته مصر باللقب الذي أحبه، ولم يجرؤ من كان في المعارضة، أو في الصف الاخر على انتقاد هيكل، بل ودعه الجميع باحترام يليق برجل صنع مرحلة وأنتج أخطر قراراتها.

لو أحصينا ما أنتجته مكتبات الأردن من مذكرات الرؤساء أو الوزراء، سنكتشف أنها أكثر مما كتبه هيكل، ولقد قفزنا عن الكتب، إلى الأفلام.. ولا أعرف هل قرأ من أثروا مكتباتنا بمؤلفاتهم تجربة هيكل وعبدالناصر بما يليق بها؟

حين جاء (الإخوان) لحكم مصر، حرق جزء من مكتبته، وحاول البعض شيطنته.. والغريب أن الأستاذ رفض مغادرة مصر، وظل فيها.. وحين تسلم الرئيس المؤقت (عدلي منصور) مهامه، في البلاد وأدى القسم كان اللقاء مع هيكل من أول اللقاءات التي أجراها.. وما زلت أذكر عنوان جريدة الأهرام حين أبرزت على صفحتها الأولى (مانشيتا) يقول: الرئيس المؤقت يستقبل الأستاذ هيكل ويستمع لتوجيهاته.

في مصر محمد حسنين هيكل، كان يوجه الرؤساء.. وكان حين يكتب أو يقول شيئا في المشهد الإقليمي أو الدولي، الكل ينصت لتصريحاته – بما فيهم الرؤساء- ويأخذها على محمل الجد، فهو ليس مفكراً عادياً، وإنما مصنع أفكار، وأهم اللاعبين على الساحة المصرية، في فترة الحرب والصراع مع إسرائيل.

لو سألت بعض السياسيين لدينا، والذين تقاطروا على إنتاج مذكراتهم.. عن خريف الغضب لهيكل فكم واحد منهم سيعرف ما دار في الكتاب؟ لو سألتهم عن الطريق إلى رمضان، وهل سمعوا به؟ أو عن الجانب الروائي في حياة هيكل.. فهل ياترى سيدلون بتقييماتهم..

الغريب أن مؤلفات هيكل، لم تتجاوز الـ (25) كتاباً، وأنا لا أتحدث عن مقالاته.. بل عن كتبه، والأغرب أن شاعر تفعيلة لدينا.. أنتج للان ما يزيد، عن (19) ديواناً.. وأنتجنا من مذكرات الوزراء والرؤساء، ما يزيد أيضا عن (20) مؤلفاً.. وانتقلنا لمرحلة تخليدهم عبر الأفلام.

لكن السؤال ونحن نمر بمرحلة الهوية الوطنية والسؤال عنها، ونمر بمرحلة صراع مع إسرائيل، وإنتاج أردن جديد تسود فيه روح القانون والعدالة، دون تغول على الدستور والقانون.. ونحن أيضا نمر بمرحلة تجاوزنا فيها محنة كورونا باقتدار، ونقف بذهول أمام هذا الإنجاز العظيم للمؤسسة العسكرية والأمنية.. نسأل يا ترى كم واحد من السياسيين لدينا أو من المشرعين، قرر أن يقرأ لهيكل، ويفهم سر العلاقة بين العقل والسلطة، بين توظيف السلطة للفكر في إطار إنتاج المشروع وبين زج الفكر في ثنايا القرار؟

تجربة هيكل مع عبدالناصر، مهمة وخطيرة في التاريخ... كونها تجربة التحالف بين العقل والقرار.. لروحهما الرحمة. الرأي

[email protected]