فارس الحباشنة يكتب: جمال عبدالناصر


25/07/2020 00:07

فارس الحباشنة

جمال عبدالناصر لربما يكون هو الزعيم الوحيد في العالم لم تنقطع المؤامرات والدسائس، وحملات التشويه لتاريخه وصورته وسيرته السياسية الوطنية.

لا تزال محطات فضائية عربية تصفي حساباتها مع عبدالناصر ومشروعه التقدمي والتحرري والاجتماعي في مصر. والتحرري والثوري على الصعيد العربي والعالم الثالث.

يكمن القول ان هناك محطات فضائية اسست، وانطلق اثيرها في الهواء العربي من اجل الهجوم على جمال عبدالناصر وشتم مشروعه، والاساءة لمرحلته العامرة بالانجاز الوطني والعربي.

ولو ان هناك وحدة قياس لرصد المدى الزمني الذي شغله بث فضائيات عربية للحديث عن جمال عبدالناصر، لكانت النتيجة صادمة وفاجعة. وكما ان «ابو خالد" مازال عايشا معنا، ومازال ظله ثقيلا على نفوس وقلوب كثيرين، وكم مرة نحروه، وهو عايش، ومن بعد موته، كل يوم يعلقون مقصلة لنحره، وليموت شهيدا على منابر التبعية والاستبداد، والظلامية.

«الاخوان المسلمين» في مصر والعالم العربي وقفوا الى جانب الانظمة المعادية لجمال عبدالناصر، وخاضوا معركتها ضد عبدالناصر مشروع التحرر والتقدم المصري والعربي.

حب الناس لجمال عبدالناصر عفوي وتلقائي. ليس هناك زعيم اجمع العرب على حبه كـ»جمال عبدالناصر». في القاموس السياسي العربي المعاصر كثير من المفردات والتصنفيات تعود الى عبدالناصر. فهو باعث الامل والكبرياء والعزة في الامة بعد عقود طويلة من الهزيمة والتبعية والاستعمار.

اردنيا في خمسينات وستينات القرن الماضي كان الناس يجمعون على حب عبدالناصر. كان خطابه على صوت العرب بيانا جماهيرا، و»بروميتير» القضايا العربية التحررية والثورية، تجتمع الناس حول المذياع يتنفسون كرامة وكبرياء وعزة وثقة من خطاب الزعيم.

فمن يفك سر ولغز تسمية خالد وجمال في الاردن ؟ فماذا يمكن ان يفسر ذلك ؟ كانوا يحبون جمال عبدالناصر، ويكرهون من يعاديه. عباراته وشعاراته وصوره تعلق على الجدران، ويوم مات عبدالناصر 70 بكت الاردن، رجال نزفوا دموعا على رحيله.

صورة عبدالناصر تعرضت لكثير من التشويه والتضليل والاكاذيب. ماكينة الاخوان المسلمين واعلام السادات. واكثر ما هو لافت انه حتى اليوم مازال عبدالناصر يتعرض الى حملة تشويه وتهشيم لصورته.

في الثورات العربية المعاصرة من تونس الى مصر اول ما انطلقت شرارة الحراكات الشعبية، ونزلوا الى الشوارع حملوا صورا لجمال عبدالناصر. حنين جماعي عربي الى زمن ومشروع عبدالناصر.

قد نتفق معا ان حقبة عبدالناصر ليست مثالية هنالك اخطاء وخطايا، وخاصة نكبة حزيران. ولكن ما جرى في السياسة العربية ليس مراجعة وتقويما بقدر ما هو تصفية وانتقام من مشروع عبدالناصر وتحميله كل مسؤولية الهزيمة، والتغاضي وتجاهل دور بقية الانظمة العربية.

ليست صدفة عادية، ورغم كل حملات التشويه المبرمجة والممنهجة فان جمال عبدالناصر مازال عالقا في الذاكرة العربية، والافريقية والانسانية ايضا. صحيفة تايمز البريطانية في مطلع الالفية الجارية رشحت عبدالناصر ومانديلا والاديب الروسي تولستوي للقب « الشخصية الاعظم» في العالم.

واذكر اني في زيارة لموسكو قبل اعوام. تجولت ليلا في المدينة، ودخلت الى مكتبة صغيرة. امهات كتب الادب الروسي، وكتب الاسشتراق الروسي، ومراجع الاقتصاد السياسي، وفي صدر المكتبة مجموعة صور معلقة لمفكرين وسياسين وادباء عالميين، امعنت النظر في صورة قديمة، ووجه رجل يبتسم اعرفه، سالت صاحب المكتبة عنه : فقال لي : الا تعرف من هو، انه جمال عبدالناصر.

وفي لحظتها قلت في نفسي كيف يمكن ان تصل حملات تشوية وتهشيم صورة جمال عبدالناصر لهذا المثقف الروسي البسيط ؟ حافظ عبدالناصر على مكانة وقيمة تاريخية في ذاكرة الشعوب العربية والعالم الثالث. شعوب عرفت الحرية والتحرر وانفكت من التبعية والاستعمار والاحتلال الاجنبي في حقبة عبدالناصر.

يسترد السؤال عن جمال عبدالناصر الان مصريا وعربيا. والاوطان في مواجهة اعتى عمليات التفكيك لمؤسساتها، واقتصادها الوطني، وقرارها السياسي. وفي زمن اصبحت كل اوراق اللعبة امريكية «مئة بالمئة» من القضية الفلسطينية وحرب التصفية على طريقة ترامب /تنتياهو، والعراق والاحتلال التركي المبارك امريكيا لليبيا، والفوضى اليمنية والسودانية، وحرب اثيوبيا على منابع النيل، وازمة سد النهضة.

الفراغ المطبق اقليميا، واسرائيل تلعب على ملئه لتكون الدولة الاقوى والاكثر نفوذا. وتترك بقايا حصص لدول اقليمية اخرى شريكة في حروب التجزئة والتقسيم والسيطرة على العالم العربي. الدستور