أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

شغلونا بالأيديولوجيا.. وماذا قدّموا للأردن؟


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

شغلونا بالأيديولوجيا.. وماذا قدّموا للأردن؟

مدار الساعة ـ

أكثر ما يستوقفني في التجربة السياسية الأردنية أن بعض التيارات استطاعت، على امتداد عقود، أن تجعل حضورها التنظيمي جزءاً ثابتاً من معادلة الدولة والمجتمع، وأن تستحوذ على مساحة واسعة من النقاش العام، حتى بدا أحياناً أن حجمها السياسي يُقاس بقدرتها على إشغال الدولة أكثر مما يُقاس بما أضافته إلى قدرتها على مواجهة أزماتها. وأعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة هذه التجربة من زاوية أعمق من الخلافات الحزبية المعتادة، لأن المسألة في جوهرها تتعلق بطبيعة العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة، وبين مصالح التنظيم ومصالح الدولة، وبالثمن الذي يدفعه المجتمع عندما تتحول السياسة من البحث عن حلول إلى صراع دائم على امتلاك الشرعية والتأثير.

ما يقلقني في هذه التجربة هو أن التنظيم استطاع أن يراكم قوة سياسية واجتماعية عبر الزمن، بينما بقيت قدرته على تحويل هذه القوة إلى مشروع وطني متكامل موضع تساؤل. وهنا أرى مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فالتنظيم الذي يبني حضوره على الاعتراض المستمر قد يجد نفسه، بمرور الوقت، مرتبطاً سياسياً باستمرار الأسباب التي يعترض عليها. فالأزمات الاقتصادية تمنحه مادة للتعبئة، والإخفاقات الحكومية تعزز خطابه، والتوترات الإقليمية توسع مساحة حضوره، بينما يفرض تقديم الحلول الانتقال إلى مسؤولية مختلفة تماماً، تتطلب تحديد الأولويات وتوزيع الموارد وتحمل كلفة القرارات ومواجهة النتائج أمام الناس.

وهذا يقودني إلى إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة السلطة داخل التنظيم الأيديولوجي. فالدولة الحديثة تقوم على تعدد المصالح وتعارضها أحياناً، وعلى إدارة هذا التعارض من خلال الدستور والقانون والمؤسسات، بينما يميل التنظيم العقائدي إلى بناء تماسكه حول مرجعية فكرية مشتركة وانضباط داخلي. وعندما ينتقل هذا المنطق إلى المجال العام، تظهر معضلة حقيقية في كيفية التوفيق بين الطاعة التنظيمية وحرية القرار السياسي، وبين مقتضيات الانتماء للجماعة ومتطلبات تمثيل المواطنين جميعاً. وهذه مسألة تتجاوز النيات الشخصية للأفراد إلى طبيعة البنية السياسية نفسها.

وأرى أن أحد أخطر أوجه الخلل المحتملة يتمثل في الخلط بين الشرعية الأخلاقية والشرعية السياسية. فحين يستند تيار إلى خطاب ديني في تقديم مشروعه، قد يتحول الخلاف معه تدريجياً من نقاش حول السياسات إلى مواجهة حول القيم والهوية، بما يمنح التنظيم أفضلية معنوية في نظر أنصاره ويجعل مساءلته أكثر حساسية. والمفارقة أن هذا الأسلوب قد يضعف الدين في المجال العام بقدر ما يضعف السياسة، لأنه يربط القيم الروحية بتقلبات المواقف الحزبية وصراعات السلطة.

أما ما يستحق التدقيق بصورة خاصة فهو العلاقة بين المرجعية الفكرية العابرة للحدود واستقلال القرار الوطني. فالأردن يعيش في إقليم تتداخل فيه التحالفات والصراعات والمصالح، وتصبح فيه الأولويات الوطنية مرتبطة بحسابات أمنية واقتصادية ودبلوماسية شديدة التعقيد. ومن هنا فإن أي تنظيم يحمل امتداداً فكرياً إقليمياً مطالب بتقديم إجابات مؤسسية واضحة حول آليات اتخاذ قراره، ومصادر تأثيره، وحدود علاقاته الخارجية، ومدى استقلال أولوياته عن التحولات التي تشهدها الحركات المرتبطة بمدرسته الفكرية.

ومن تجربتي المهنية في القانون والعمل مع مؤسسات في دول مختلفة، أصبحت أنظر إلى السياسة من زاوية النتائج والمسؤولية المؤسسية أكثر من زاوية الشعارات. فقدرة أي تيار على نقد الحكومة تمنحه حضوراً سياسياً، لكن قدرته على إدارة ملفات الاقتصاد والطاقة والمياه والتعليم والاستثمار هي التي تكشف عمق مشروعه. والأردن، بما يواجهه من تحديات داخلية وضغوط إقليمية، يحتاج إلى برامج تفصيلية قابلة للاختبار، وإلى قوى سياسية تدرك أن إدارة الدولة تختلف جذرياً عن إدارة جمهورها.

وأعتقد أن المسألة تستحق أيضاً مراجعة من جانب الدولة والمجتمع، لأن استمرار أي تيار في احتلال مساحة واسعة من الحياة السياسية يرتبط بطبيعة البيئة التي يعمل داخلها، وبقدرة المؤسسات والأحزاب الأخرى على تقديم بدائل مقنعة. فالمحاسبة السياسية الجادة ينبغي أن تشمل الجميع، وأن تقوم على الوقائع والبرامج والنتائج، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو منح أي طرف حصانة من النقد.

ما أريده للأردن هو حياة سياسية يكون فيها الوطن نقطة البداية والنهاية، وتكون فيها الأحزاب والتنظيمات أدوات لخدمة مصالحه، وتخضع فيها جميع المرجعيات الفكرية لاختبار الدستور والسيادة والمصلحة العامة. فالدولة بالنسبة لي مسؤولية تاريخية تتجاوز عمر التنظيمات والأفكار، وقيمة أي مشروع سياسي تتحدد بما يتركه من أثر حقيقي في حياة الناس، وبقدرته على حماية استقلال القرار الأردني وتعزيز قوة مؤسسات الدولة.

مدار الساعة ـ