يمر الأردن، بموقعه الاستراتيجي وبيئته الإقليمية المعقدة، بمحطات تفرض عليه دائماً البقاء في أعلى درجات اليقظة الأمنيّة. ولعل الاعتداءات الإرهابية الأخيرة، بدءاً من الاعتداء الغادر على كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك وصولاً إلى استهداف أحد عناصر الأمن العام في العاصمة عمّان، جاءت لتعيد التذكير بضراوة المعركة الخفية التي تخوضها الدولة ضد الفكر المتطرف. إلا أن القراءة الحقيقية والمنصفة لهذه الأحداث لا تكمن في وقوع الفعل الإرهابي النادر والمباغت، بل في طبيعة الاستجابة الوطنية الشاملة التي تلتها، والتي وازنت بين تضحيات الأجهزة الأمنية الباسلة والمسؤولية التضامنية الجمعية، وتكللت بالحضور القيادي الفوري لجلالة الملك.
إن من ينظر بإنصاف وعمق لجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، يدرك تماماً حجم الحرص والتفاني اللذين تبذلهما هذه الجهات لحفظ الأنفس والأرواح. فالإرهاب بطبيعته يعتمد على أسلوب الغدر، والعمليات الفردية أو المباغتة قد تحدث في أعرق دول العالم تحصيناً أمنياً. بناءً على ذلك، فإن توجيه اتهامات التقصير أو إلقاء اللوم على الأجهزة المعنية عند حدوث أي خرق يمثل إجحافاً بحق عيون ساهرة تواصل الليل بالنهار؛ إذ إن ما تنجح استخباراتنا العسكرية والأمنية في إحباطه وتفكيكه خلف الكواليس من خلايا ومخططات يفوق أضعاف ما يظهر للعلن. وما تعامل الأجهزة الأمنية السريع وإلقاء القبض على منفذي هجوم الكرك خلال أيام قليلة إلا دليل قاطع على الكفاءة والجاهزية العالية والالتزام المطلق بحماية الأمن القومي.وفي خضم هذه الأحداث، تجسدت أسمى معاني القيادة الملتحمة مع شعبها في العودة المباشرة والفورية لجلالة الملك عبد الله الثاني من سفره في الخارج للوقوف على الوضع بنفسه. لم تكن هذه العودة مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت رسالة سياسية وميدانية حاسمة؛ حيث توجه جلالته مباشرة فور وصوله بلباسه العسكري الميداني "للعمليات الخاصة" لزيارة وتفقد المصابين في المستشفى العسكري ومستشفى الكرك الحكومي. إن هذا الحضور الفوري بعث برسائل طمأنينة بالغة للأردنيين جميعاً، وأكد أن القيادة الهاشمية تقف في الخطوط الأمامية للدفاع عن ثرى الوطن، مما رفع المعنويات وبدد محاولات بث الخوف، مجسداً الالتزام الملكي الصارم بضرب الإرهاب بيد من حديد.ومع هذا التفاني الرسمي، يبقى الإدراك العميق بأن المسؤولية في مواجهة التطرف هي مسؤولية جماعية تضامنية لا تقع على عاتق الجهاز الأمني وحده؛ فالأمن منظومة مجتمعية متكاملة تبدأ من وعي المواطن نفسه في محاربة الشائعات والإبلاغ عن التحركات المشبوهة، مروراً بدور الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية في تحصين عقول الشباب ضد الأفكار الهدامة، وصولاً إلى الإعلام المسؤول والخطاب الواعي الذي يدعم الرواية الوطنية الرسمية.إن الأردن يثبت مع كل اختبار أمني أنه عصيٌّ على الاختراق، ليس فقط بفضل ترسانته ومؤسساته العسكرية المتفانية، بل بفضل جبهته الداخلية الملتفة حول قيادتها الهاشمية الحكيمة، وإيمانه المطلق بأن استقرار الوطن وصون وحدته الوطنية هما خط أحمر وواجب مقدس يتشارك فيه الجميع دون استثناء.الجبهة الداخلية المتماسكة.. كيف يصنع الأردن نموذجاً استثنائياً في مواجهة الإرهاب؟
جميل العشوش
نائب سابق
الجبهة الداخلية المتماسكة.. كيف يصنع الأردن نموذجاً استثنائياً في مواجهة الإرهاب؟
جميل العشوش
نائب سابق
نائب سابق
مدار الساعة ـ