أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هذا الخطاب يصبّ في حسابات الإرهاب


حسين الرواشدة

هذا الخطاب يصبّ في حسابات الإرهاب

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ

‏ما هو الصاعق الذي تستخدمه التيارات الإرهابية لتفجير حالة التطرف المتراكمة لدى الأشخاص الذين يقعون في شباكها من أجل تحويلهم إلى إرهابيين؟ يفترض هذا السؤال أن المتطرف المشغول عليه هو مشروع إرهابي يتولى المشغلون مهمة تعبئته وإعداده للقيام بما يطلب منه، اللحظة الحرجة التي تشكل صاعق التفجير وتعطل التفكير داخل الشخصية الإرهابية تستند إلى فكرة النكاية والانتقام، وتحتاج إلى غطاء ديني أو سياسي يبرر ويسهل ارتكاب الفعل الإجرامي.

‏ما حدث في بلدنا في جريمتي حمود والقنصلية لم يكن معزولا عن هذا السياق، خطاب التحريض ضد الدولة وأجهزتها وشرعيتها، ثم التشكيك برموزها ومحاولة تهشيم صورتها، (بالإضافة إلى عوامل وأسباب اخرى تحتاج إلى نقاشات لاحقة) شكل للإرهابيين غطاء حماية، او مبررات وأوهاما اخلاقية على الأقل لممارسة العنف، المعارضة التي مارستها بعض التيارات السياسية وخرجت عن المسار الوطني وحدود النقد السياسي، خلال الفترات الماضية، كرست فكرة الانتقام من الدولة ومؤسساتها، وصبت بالتالي في مستنقع التفكير والفعل الإرهابي.

‏لا أريد أن استطرد في التفاصيل، هذا ليس مكانها، أُشير، فقط، إلى أن الإرهاب عملية صناعية طويلة، وليست ولادة طبيعية، الإرهابي نتاج مراحل متراكمة ومتتابعة تقوم بها جهات وتنظيمات ذات خبرة في هذا المجال، تبدأ أولا بالاستقطاب (اصطياد الفريسة)، وإيهامه أنه اختار الطريق الصحيح، وغالبا ما يستخدم الغطاء الديني لإقناعه بذلك، ثم بزراعة الفكرة في رأسه؛ فكرة التكفير (الديني والسياسي معاً) والنكاية والانتقام من المختلف او العدو (القريب دائما)، سواء أكان دولة أو مجموعة أو أفراداً، وفكرة الانضمام إلى الفئة الناجية التي تضمن له التحرر من الخوف والتردد، ثم بتحديد موعد الاختبار، حيث تنفيذ المهمة المطلوبة وإثبات اجتياز الامتحان.

‏تسيطر على الإرهابي قضية النكاية والانتقام، تحركها في الغالب حالة الاستغراق بالمظلومية والفشل، فعل الإرهاب يختلف عن فعل الانتحار، الأول يريد أن يعاقب الآخر وينتقم منه، ويستند إلى غطاء ديني يبرر له جريمته، ويمنحه طاقة الكراهية اللازمة لممارسة القتل، فيما تشكل صرخة الانتحار نوعا من الاحتجاج الذاتي والنفسي، ولا تتجاوز ذلك بالاعتداء على الآخرين، ولا تحتاج إلى أي غطاء ديني أو اجتماعي، ما أريده من هذه المقاربة هو أن الإرهابي يبحث دائما عن سياق سياسي وديني واجتماعي، ويحسب بدقة أصداء جريمة، ويتشكل إرهابه من خلال منظومات وتراكمات تحريضية داخل المجتمع، تغذي اتجاهاته وتؤسس لأفكاره وتنسجم مع أهدافه.

‏الإرهابي لا يخرج من الفراغ، ولا يتشكل، فقط، في الفضاء الإلكتروني وعبر الشبكات، وإنما يتدرج في ابتلاع الفكرة الارهابية نقطة نقطة، هذه النقاط التي يلتقطها (كما تفعل الخوارزميات) لا تقتصر على الأفكار الأساسية التي تضخها التنظيمات الإرهابية داخله، وإنما يستمد المشروعية لتبرير جريمته من أفكار ووقائع أخرى ذات خصوصية مكانية وزمانية، كما قلت: خطاب بعض التيارات السياسية والدينية في التحريض على الدولة ومؤسساتها، والانتقاص من قيمتها، ومحاولة نزع الشرعيات التي تستند اليها، قد يكون أحد السكاكين التي يستخدمها الإرهاب.

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ