أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جرائم فردية أم استهداف منظم؟


مكرم الطراونة

جرائم فردية أم استهداف منظم؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

خلال زهاء أسبوعين، تم تنفيذ جريمة كنيسة حمود في الكرك التي ذهب ضحيتها تسعة أبرياء، ثم جريمة قتل رجل الأمن جواد السلايطة في عمان. الجريمتان تم تنفيذهما على يدي مجرمين مرتبطين بالتيارات التكفيرية الإرهابية، فهل هما جريمتان منفردتان، أم ثمة ما يعزز تورط جماعات أو شبكات تسعى إلى استهداف الأردن وزعزعة استقراره؟

لا يكفي التقارب الزمني بين جريمتين لإثبات ارتباطهما، كما أن غياب الدليل المعلن على التنسيق لا يكفي لنفي احتمالات الارتباط. لكن أول المؤشرات المقلقة يتعلق بطبيعة الأهداف، ففي الكرك، كان المستهدف مواطنين مسيحيين، وهو اختيار لا يمكن فصله عن الفكر التكفيري الذي ينظر إلى الاختلاف الديني باعتباره مبررا للقتل. أما في عمان، استهدف رجل أمن يمثل سلطة الدولة ومؤسساتها. وعلى اختلاف الجريمتين، فإنهما تلتقيان عند محاولة ضرب ركيزتين أساسيتين للاستقرار الأردني، هما الوحدة المجتمعية وهيبة الدولة.

استهداف الكنيسة أريد به إثارة الخوف والشك، وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع، فيما استهداف رجال الأمن جاء لإظهار الدولة بمظهر العاجز عن حماية مؤسساتها ومواطنيها، وهو تقاطع واضح في الأهداف التي تخدمها الجرائم الإرهابية.

الإرهاب المعاصر لم يعد يشترط وجود تنظيم هرمي يصدر التعليمات ويوزع الأدوار، فقد تنجح الجماعات المتطرفة في صناعة بيئة تحريضية تدفع أفرادا إلى تنفيذ اعتداءات مستقلة، من دون اتصال مباشر بقياداتها.

لكن المؤشر الأخطر، يتعلق بالتوقيت والسياق الإقليمي، فالأردن ليس دولة معزولة عن التحولات التي تشهدها المنطقة، وإنما يقع في قلب بيئة أمنية شديدة التعقيد. ما يجري في سورية، واستمرار نشاط بعض الجماعات المتطرفة وشبكات التهريب، والتوترات الإقليمية المتلاحقة، كلها عوامل تجعل المملكة عرضة لمحاولات الاختراق والاستهداف.

من المشروع التساؤل ما إذا كانت جماعات متطرفة تحاول استغلال الاضطرابات الإقليمية لإعادة تنشيط خلاياها أو توسيع نطاق عملياتها داخل الأردن، كما يمكن البحث في احتمال وجود جهات تستفيد سياسيا من إشغال المملكة بتهديدات داخلية، أو من محاولة إضعاف قدرتها على التعامل مع الملفات الإقليمية.

بالنسبة للجماعات التكفيرية، فقد مثّل الأردن، على الدوام، خصما فكريا وأمنيا صلبا. الدولة الأردنية تتبنى نهجا دينيا يقوم على الاعتدال، وتواجه التنظيمات الإرهابية بشكل حازم، كما أنها تحافظ على نموذج من العيش المجتمعي يتناقض مع المشروع الذي تسعى تلك الجماعات إلى فرضه. استهداف الأردن قد لا يكون مرتبطا بقرار سياسي آني، وإنما قد يكون امتدادا لعداء أيديولوجي مستمر تجاه طبيعة الدولة وخياراتها.

ومع ذلك، فمثل هذا التفسير قد يمنح التنظيمات الإرهابية حجما أكبر من حقيقتها، ويصرف الانتباه عن عوامل داخلية تتعلق بالتطرف الفكري والتحريض المستمر. المواجهة الفاعلة تبدأ من التحقيق في الوقائع، وتتبع شبكات العلاقات والاتصال، فسواء كانت الجريمتان منفصلتين، أو نفذتا بتوجيه من جهة واحدة، فهما تشيران بوضوح إلى أن هناك بيئة متطرفة مشتركة تنتج مثل هذه الجرائم، وتوفر لمنفذيها المبررات الفكرية والدوافع النفسية.

بعد هذا الحزن الكبير الذي خيّم على كل بيت في الأردن، لا بدّ من إدراك أن جريمتي الكرك وعمّان تستدعيان رفع مستوى اليقظة الأمنية، وقبلها يتوجب أن يدرك الأردنيون أنّ الإرهاب، سواء جاء في صورة خلايا منظمة أو أفراد متطرفين، يستهدف المجتمع والدولة معا، وأنّ الردّ الأقوى والأكثر تأثيرا يكون بحماية الوحدة الوطنية، وتعزيزِ الثقة بمؤسسات الدولة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ