أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأمن الفكري في مواجهة التطرف والإرهاب


أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

الأمن الفكري في مواجهة التطرف والإرهاب

أ.د. حسن الدعجة
أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لا تبدأ مواجهة الإرهاب عند وقوع الاعتداء، ولا تنتهي بإحباطه؛ فقبل انتقال العنف إلى الميدان، تتشكل في الوعي تصورات تمنحه التبرير، وتصنع للفاعل صورة زائفة عن البطولة والواجب والخلاص. ومن هنا يبرز الأمن الفكري بوصفه أساسا للوقاية المستدامة من التطرف العنيف، ومدخلا لفهم العلاقة بين الأفكار والانفعالات والسلوك. فالدولة تستطيع حماية المنشآت وضبط الحدود وملاحقة الشبكات، لكن استدامة الأمن تتطلب أيضا حماية قدرة الإنسان على التفكير المستقل، والتمييز بين الاختلاف المشروع والتحريض، وبين الالتزام بالقيم واستباحة الآخرين باسمها.

الأمن الفكري، بهذا المعنى، ليس فرضا للتطابق بين العقول، ولا تحصينا للمجتمع ضد الأسئلة، بل بناء بيئة معرفية وأخلاقية تمكّن الأفراد من مراجعة الأفكار وفحص مصادرها ومناقشتها دون خوف. وهو يقوم على صيانة الكرامة الإنسانية واحترام التعددية وترسيخ المواطنة، لأن العقل الذي يتعلم الحوار أقل استعدادا لقبول الإقصاء، والإنسان الذي يشعر بقيمته وانتمائه أقدر على مقاومة الاستقطاب. ولذلك ينبغي التمييز بين الأفكار غير المألوفة، التي يظل نقاشها مشروعا، والأفكار التي تشرعن الاعتداء أو تحوّل الاختلاف إلى مبرر للعنف.

نظرية الأمن الفكري: تفسير العلاقة بين الوعي والعنف

تقدّم نظرية الأمن الفكري، التي طوّرها الدعجة، تفسيرا للعلاقة بين التنشئة والقيم والبيئة الاجتماعية وبين تشكّل الاتجاهات نحو الاعتدال أو التطرف. وتنطلق من فرضيات تربط اختلال الأمن الفكري بغياب التنشئة السليمة، ودور البيئة الحاضنة للتطرف في تسهيل الاستقطاب والتجنيد نحو العنف، مقابل دور التوعية والإرشاد وثقافة التسامح في تعزيز قبول الآخر.

وتبرز أهميتها في وصل تفسير الانحراف الفكري بسياسات الوقاية والمعالجة، مع الاهتمام بالحفاظ على التعدد والتنوع ضمن الوحدة الفكرية للمجتمع. وبذلك توجّه النظرية جهود مكافحة التطرف والإرهاب نحو معالجة الظروف التي تغذّي التعصب، وتعزيز التنشئة الواعية والقيم الجامعة، وتكامل الأدوار التربوية والمجتمعية والأمنية في حماية الفرد والمجتمع.

وتتمثل القيمة التفسيرية لهذا الإطار في تجاوز التعامل مع التطرف بوصفه نقصا في المعلومات فقط. فقد يمتلك الفرد تعليما متقدما، لكنه يفتقر إلى مهارات نقد المصادر، أو يبحث عن الاعتراف والانتماء داخل جماعة تمنحه يقينا مبسطا وهوية صلبة. ولذلك ترتكز نظرية الأمن الفكري المقترحة على تفاعل ثلاثة أبعاد: مناعة معرفية تختبر الادعاءات، ومناعة أخلاقية ترفض استباحة الإنسان، ومناعة اجتماعية توفر الانتماء والمشاركة. واختلال أحد هذه الأبعاد يستدعي المعالجة، لكنه لا يكفي منفردا للحكم على شخص أو توقع سلوكه.

من الوقاية إلى تفكيك خطاب التطرف

تبدأ المعالجة المهنية بتحليل الطريقة التي يعيد بها الخطاب المتطرف ترتيب العالم، تقسيم البشر إلى جماعة نقية وأعداء مطلقين، وإلغاء المساحات الوسطى، وتحويل الوقائع المعقدة إلى مؤامرة شاملة، ثم تقديم الطاعة بوصفها فضيلة والسؤال بوصفه خيانة. وتفكيك هذا البناء لا يتحقق بالشعارات المضادة، بل بكشف تناقضاته، ومناقشة أدلته، وإعادة الاعتبار للسياق والتعدد والاحتمال. كما يتطلب الفصل بين مشاعر الغضب المشروعة وبين استثمارها لتبرير الاعتداء، وإتاحة مسارات سلمية للتعبير والمطالبة بالحقوق وحل النزاعات.

وتحتل المؤسسات التعليمية موقعا مركزيا في هذا التصور؛ فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد قناتين لنقل المعرفة، بل فضاءان لتعلم الاختلاف. ويقتضي ذلك تطوير مناهج تنمي التفكير النقدي والأمن الفكري وأخلاقيات الحوار، وتدريب المعلمين على إدارة النقاشات الحساسة دون وصم أو إذلال. أما الأسرة، فتؤدي دورا وقائيا حين تبني الثقة وتصغي إلى الأسئلة والتحولات النفسية، بدلا من اختزال التربية في المراقبة والعقاب. ويكمل الخطاب الديني الرصين هذه الجهود بتوضيح حرمة الدماء، ومقاومة التكفير، وإبراز المسؤولية الأخلاقية تجاه المختلف.

وفي الفضاء الرقمي، تزداد فاعلية حماية الوعي حين تتكامل الجهود المعنية بالحد من المحتوى المحرّض مع تنمية مهارات التحقق، وإثراء المنصات بمحتوى موثوق يواكب اهتمامات الشباب وتساؤلاتهم. ومن شأن تطوير الخطاب التوعوي، وربطه بتجارب المتلقين وتطلعاتهم، أن يعزز أثره ويمنحه حضورا أعمق في حياتهم. كما تتيح مساحات الحوار والمشاركة البنّاءة فرصا لترسيخ الشعور بالانتماء والقدرة على الإسهام، بما يدعم مناعة الشباب تجاه محاولات الاستقطاب التي قد تتخذ من حاجتهم إلى التقدير والتواصل مدخلا للتأثير.

وتجد هذه الجهود امتدادها في البناء على ما تبذله المؤسسات الوطنية من مساعٍ لتعزيز القيم المشتركة، وتطوير الخدمات، وتوسيع آفاق الإسهام المجتمعي، بما يدعم الثقة المتبادلة ويعمّق الشعور بالانتماء والمسؤولية. وفي هذا الإطار، يسهم التعاون المتواصل بين مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والمؤسسات الدينية والجهات الأمنية والمجتمع المدني في إثراء جهود التوعية والوقاية، ضمن رؤية وطنية جامعة تتكامل فيها الخبرات والأدوار، وتراعي خصوصية الأفراد، وتدعم الحوار البنّاء والتماسك المجتمعي.

وتتضح ثمار هذه المقاربة من خلال ما تتركه البرامج والمبادرات من أثر مستدام في مهارات التحقق والحوار، والثقة بالمؤسسات، والوصول إلى خدمات الدعم، والاندماج الإيجابي في المجتمع. ومن المفيد أن تستند برامج التأهيل إلى فهم خصوصية كل حالة، وأن تتكامل فيها الخبرة المتخصصة والمساندة النفسية والاجتماعية مع الفرص التعليمية والمهنية. كما يساعد التقييم المتدرج على متابعة التحولات في القناعات والسلوك، مع مراعاة اختلاف وتيرة التقدم في كل منهما، بما يجعل المشاركة في البرامج بداية لمسار يُستكمل بالمتابعة والرعاية، وتُقاس نتائجه باستقرار التحسن واستدامة الاندماج.

إن الأمن الفكري مشروع لبناء الإنسان القادر على الاختيار المسؤول، وليس مشروعا لإنتاج الامتثال. وتكمن قوته في وصل المعرفة بالكرامة، والانتماء بالعدالة، والحرية بالمسؤولية. وحين تتحول هذه المبادئ إلى ممارسة يومية داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة العامة، تضيق المساحات التي يستغلها التطرف، ويتعزز أمن المجتمع من جذوره. فالمواجهة الأكثر استدامة هي التي تمنع العنف من اكتساب شرعيته في الوعي، وتمنح الإنسان أسبابا واقعية للتمسك بالحياة المشتركة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ