حين يتحدث الدم عن الوطن، لا صوت يعلو فوق صوت الحق. ما جرى في الكرك، وما تلاها من جريمة اغتيال العريف جواد السلايطة، لم يكن مجرد حادثين منفصلين، بل حلقتان في سلسلة مظلمة يحاول أصحابها النيل من نسيج هذا البلد. لكن الحقيقة التي يجهلها هؤلاء، أو يتجاهلونها، أن الأردن لم يُبنَ على الخوف، بل على رابطة الدم والموقف الواحد بين شعبه وأجهزته الأمنية.
أولاً: كنيسة الحمود.. حين استهدف التكفيريون مناسبة عزاءفي بلدة حمود بمحافظة الكرك، وتحديدًا في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، وقعت جريمة بشعة هزت المملكة. ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة، يحملون الفكر التكفيري، أطلقوا النار داخل الكنيسة أثناء مراسم تشييع جنازة، فقتلوا تسعة مواطنين وأصابوا نحو أربعين آخرين. المنفذون لم يختاروا مكانًا عشوائيًا؛ لقد أرادوا ضرب رمزية المكان وإحداث صدمة داخلية، وبث الخوف وضرب الثقة بين أبناء الشعب الواحد. لكن الدم الذي سال على أرض الكنيسة، سال أيضًا على أرض الأردن كلها، لأن من يستهدف دور العبادة يستهدف الجميع، مسلمين ومسيحيين.  ثانيًا: دم الشرطي جواد السلايطة.. عندما يصبح رجل الأمن هدفًابعد أيام قليلة، وتحديدًا أمام مقر حراسة القنصلية السريلانكية في العاصمة عمّان، أقدم شخص يحمل فكرًا تكفيريًا سابقًا، وسبق أن أدين في قضايا إرهابية، على طعن العريف جواد السلايطة بأداة حادة في رقبته، ما أدى إلى استشهاده أثناء تأديته واجبه الرسمي. القاتل لم يكن غريبًا عن الأجهزة الأمنية؛ إنه م.ح، الذي بايع تنظيم داعش الإرهابي، وحُكم عليه بالسجن تسع سنوات لمحاولته الالتحاق بالتنظيم والتخطيط لمهاجمة مركز أمني في إربد. خرج ليكمل مشروعه الأسود، لكن هذه المرة كان الثمن رجل أمن ترك خلفه أبوين وثلاثة أشقاء وشقيقتين، ووطنًا بكى شهيدًا آخر.   ثالثًا: ماذا يريد أصحاب الفكر التكفيري؟السؤال الذي يطرحه كل أردني: إلى أين يريد هؤلاء الوصول؟ الإجابة ببساطة: يريدون إسقاط الدولة، وضرب هيبة مؤسساتها، وخلق فوضى تتيح لهم فرض فكرهم الظلامي على المجتمع. لكنهم يجهلون أن الأردن ليس هدفًا سهلًا، وأن محاولاتهم لن تثمر إلا مزيدًا من اللحمة الوطنية. هم لا يريدون بناء وطن، بل هدمه؛ لا يريدون عدلًا، بل فوضى؛ ولا يريدون دينًا، بل تشويهًا له. رابعًا: هل هذا هو الإسلام؟بالقطع لا. الإسلام بريء من هذه الأفكار الضالة براءة الشمس من الظلام. ديننا الحنيف يحرم قتل النفس بغير حق، ويحرم استهداف دور العبادة، ويحرم قتل رجال الأمن الذين يقومون بواجبهم في حماية الناس. من يقتل أبرياء في كنيسة، أو يطعن شرطيًا في الشارع، لا يمثل الإسلام في شيء، بل يمثل فكرًا منحرفًا خرج عن كل القيم والأعراف والأخلاق. هؤلاء خوارج هذا العصر، ومنهجهم ليس من الدين، بل هو فكر دخيل غريب عن قيم الأردنيين وأخلاقهم.   خامسًا: الأردن.. يد واحدةما يميز الأردن في وجه هذه الفتن هو التلاحم بين شعبه وأجهزته الأمنية. حين استشهد العريف جواد السلايطة، خرج الآلاف لتشييعه، يتقدمهم نائب الملك وكبار المسؤولين، في مشهد يعكس أن الشهيد ليس ابن عائلة واحدة، بل ابن الوطن كله. وحين ضرب الإرهاب الكرك، وقف الأردنيون بمسلميهم ومسيحيين ضد الاستهداف، مؤكدين أن دور العبادة خط أحمر. هذه هي المعادلة التي يفشل الإرهابيون في فهمها: كلما حاولوا زرع الفتنة، زادت لحمة الشعب، وكلما استهدفوا رجل أمن، زاد احتضان الناس له ولعائلته.   سادسًا: قادرون على محو هذه الأفكارالأردن يملك من الإرادة والوعي ما يؤهله لاجتثاث هذا الفكر من جذوره. القيادة الهاشمية وجهت بمراجعة سياسات مكافحة التطرف وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية. والحكومة أكدت أن مواجهة الإرهاب لا تنتهي بالقبض على مرتكبي الجرائم، بل تتطلب التصدي لجذور التطرف وخطاب الكراهية والتحريض. والمجتمع نفسه بدأ يدرك أن السكوت عن أي شخص يحمل هذا الفكر هو خيانة للوطن. قادرون، لأن الأردن ليس بلدًا يُهزم بسهولة، ولأن شعبه وأجهزته الأمنية يد واحدة.   سابعًا: الإبلاغ واجب وطنيهنا يأتي الدور الأهم: على كل شخص يسمع أو يرى أو يشك في أي فرد يحمل هذا الفكر التكفيري أن يبلغ الأجهزة الأمنية فورًا. الإبلاغ ليس وشاية، بل هو حماية للأرواح، وإنقاذ لشباب قد يُغرر بهم، وإفشال لمخططات إرهابية قبل وقوعها. الأجهزة الأمنية تتعامل مع هذه البلاغات بسرية تامة، وكل معلومة صغيرة قد تكون الفارق بين حياة وموت. لا تتهاونوا، ولا تسكتوا، فالساكت عن الإرهابي شريك في جريمته. خاتمة: الأردن بلد الأمن والأمانالفتن التي يحاول هؤلاء إشعالها لن تسمن ولن تغني من جوع. الأردن سيبقى عصيًا على الإرهاب، بقيادته الهاشمية، وأجهزته الأمنية، وتماسك شعبه. دم الشهيد جواد السلايطة، ودم شهداء الكرك، لن يذهب هدرًا، بل سيكون وقودًا لمزيد من اليقظة والوحدة. الوطن أقوى من فكرهم الضال، وأقوى من مخططاتهم، وأقوى من كل من يحاول المساس بأمنه واستقراره. الأردن باقٍ، شامخًا، آمنًا، مطمئنًا، بإذن اللهفي ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين و ولي عهده