أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تنشغل المؤسسات بإيراداتها… من يحمي رسالتها؟


صالح الشرّاب العبادي

حين تنشغل المؤسسات بإيراداتها… من يحمي رسالتها؟

مدار الساعة ـ

ليست خطورة انحراف المؤسسات عن أهدافها في أنها قد تخسر المال أو تتراجع إيراداتها، بل في أن تفقد تدريجياً السبب الذي أُنشئت من أجله، وتنسى أن المواطن هو غايتها الأولى، وليس مورداً مالياً في دفاترها.

هناك سؤال يستحق أن نطرحه اليوم، وبكل صراحة ومسؤولية: هل ما زالت بعض مؤسساتنا تقيس نجاحها بحجم ما تقدمه للمواطن، أم أصبحت تقيسه بحجم ما تحصّله منه؟

هذا السؤال ليس اتهاماً لمؤسسات الدولة، ولا انتقاصاً من جهود العاملين فيها، وإنما هو دعوة إلى مراجعة الأولويات، وإلى التمييز بين المؤسسة التي تمتلك موارد مالية تساعدها على أداء رسالتها، والمؤسسة التي تتحول مواردها ومشاريعها وإيراداتها إلى غاية بحد ذاتها.

فالمؤسسة العامة لم تُنشأ لتكون شركة تجارية، ولا لتنافس المواطن في مصادر رزقه، ولا لتبحث عن كل فرصة ممكنة لفرض رسم أو استيفاء بدل خدمة أو زيادة عبء مالي. لقد أُنشئت لتؤدي وظيفة عامة، وتحمي حقاً، وتقدم خدمة، وتنظم شأناً من شؤون المجتمع، وتكون جزءاً من منظومة الدولة التي تقوم على خدمة الإنسان وصون كرامته.

لا خلاف على أن المؤسسات تحتاج إلى موارد مالية، وأن الاستثمار والإدارة الاقتصادية الرشيدة قد يكونان ضرورة لاستدامة خدماتها. لكن الخلل يبدأ عندما تنقلب المعادلة، فيصبح المواطن هو الهدف الأسهل للتحصيل، وتصبح الإيرادات معيار النجاح الأول، بينما تتراجع جودة الخدمة، وتتراكم الإجراءات، ويجد المواطن نفسه أمام منظومة معقدة من الرسوم والموافقات والاشتراطات، دون أن يشعر بأن ما يدفعه يقابله تحسن حقيقي في الخدمة التي يتلقاها.

وهنا لا بد من التوقف عند مفهوم بالغ الأهمية: الفرق بين المؤسسة التي تدير المال لخدمة رسالتها، والمؤسسة التي تدير رسالتها لخدمة المال.

قد تحقق دائرة ما إيرادات مرتفعة، وقد تسجل مؤسسة أرقاماً مالية جيدة، وقد تتوسع في مشاريعها واستثماراتها، لكن هل يكفي ذلك للحكم على نجاحها؟ ماذا عن المواطن الذي ينتظر معاملته؟ وماذا عن المريض الذي يبحث عن خدمة صحية؟ وماذا عن صاحب العمل الذي يواجه سلسلة من الإجراءات؟ وماذا عن المواطن البسيط الذي قد يتراجع عن المطالبة بحقه لأن كلفة الوصول إليه أصبحت أعلى من قيمة الحق نفسه؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة تتعامل معه بوصفه مكلفاً بالدفع قبل أن يكون صاحب حق في الخدمة. فالثقة بين المواطن ومؤسسات وطنه لا تُبنى بكثرة التحصيل، وإنما بعدالة الإجراءات، وسهولة الوصول إلى الخدمة، ووضوح القواعد، والشعور بأن القانون يحمي الجميع دون تمييز.

ولا تقف المسألة عند الجانب الإداري أو المالي؛ فهناك بعد أعمق يتعلق بالأمن الوطني. فالدولة لا تحمي استقرارها بالأجهزة الأمنية وحدها، على أهمية دورها، وإنما أيضاً بكفاءة مؤسساتها المدنية، وعدالة خدماتها، وقدرتها على بناء الثقة بينها وبين المجتمع.

عندما تنشغل المؤسسة عن وظيفتها الأساسية، أو تتراجع كفاءتها، أو تصبح إجراءاتها عبئاً على الناس، فإن ذلك يضعف الثقة العامة ويخلق مسافة بين المواطن والمؤسسة. وهذه المسافة، إذا اتسعت وتراكمت، تصبح تحدياً وطنياً يستوجب المعالجة، لا مجرد شكوى إدارية عابرة.

وفي القطاع الأمني تحديداً، لا يجوز أن تختلط الوظيفة الأمنية بأي نشاط جانبي على نحو يؤثر في الجاهزية أو الأولويات أو كفاءة الأداء. فالواجب الأمني ليس نشاطاً يمكن تأجيله، ولا رسالة تقاس بإيرادات جانبية، بل مسؤولية وطنية تتطلب التركيز والاحترافية واليقظة والمساءلة. وأي حديث عن تداخل المصالح أو تعارضها يجب أن يستند إلى وقائع موثقة، وأن يُعالج من خلال الرقابة المؤسسية والقانونية، لا من خلال التعميم أو إطلاق الأحكام.

كما أن المؤسسات الإصلاحية، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يُقاس نجاحها بما تحققه من إيرادات عبر المشاغل أو المشاريع الإنتاجية وحدها، بل بقدرتها على إعادة تأهيل النزلاء، وتنمية مهاراتهم، وإعدادهم للعودة إلى المجتمع مواطنين قادرين على العمل والحياة بعيداً عن الجريمة. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بما يُنتج داخل أسوار المؤسسة فقط، بل بما يتحقق بعد خروج الإنسان منها.

والأمر ذاته ينطبق على المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية والبلدية؛ فكل مؤسسة لها رسالة محددة، وأي نشاط مالي أو استثماري تمارسه ينبغي أن يبقى وسيلة لدعم تلك الرسالة، لا أن يتحول إلى بديل عنها أو منافس لها.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء الاستثمار أو منع المؤسسات العامة من تنمية مواردها، وإنما إخضاع هذه الأنشطة لمعيار واضح: هل تخدم الوظيفة العامة أم تزاحمها؟ هل تحسن الخدمة أم تثقل كاهل المواطن؟ هل تعزز الاستدامة المالية أم تتحول إلى عبء إضافي على الناس؟ وهل توجد رقابة شفافة تضمن ألا تتداخل المصالح وألا تضيع الأولويات؟

إننا بحاجة إلى مراجعة مؤسسية شاملة تعيد تعريف النجاح في الإدارة العامة. النجاح ليس فقط في زيادة الإيرادات، بل في تقليل كلفة الخدمة على المواطن، واختصار زمن المعاملة، وتحسين جودة الأداء، وتوسيع نطاق العدالة، ورفع كفاءة الإنفاق، ومحاسبة المقصر، وحماية المال العام.

وهنا تبرز مسؤولية مجلس النواب والجهات الرقابية ومؤسسات المساءلة؛ فدورها لا ينبغي أن يقتصر على متابعة الموازنات والأرقام، بل يجب أن يمتد إلى السؤال عن الغاية والنتيجة: لماذا أُنشئت هذه المؤسسة؟ وهل ما زالت تؤدي دورها؟ وهل تخدم أنشطتها التجارية والاستثمارية أهدافها العامة؟ ومن يراقب أداءها ويحاسبها إذا انحرفت عن رسالتها؟

إن الدولة القوية ليست الدولة التي تمتلك أكبر عدد من المشاريع والإيرادات، بل الدولة التي تمتلك مؤسسات تعرف حدود دورها، وتحترم اختصاصاتها، وتضع المواطن في قلب أولوياتها.

فحين تصبح الإيرادات غاية، تتراجع الرسالة؛ وحين يصبح المواطن وسيلة للتحصيل، تتآكل الثقة؛ وحين تنشغل المؤسسة بنفسها، يغيب عنها السبب الذي وُجدت من أجله.

لسنا ضد أن تربح المؤسسات، لكننا ضد أن تخسر رسالتها. ولسنا ضد الاستثمار، بل ضد أن يتقدم على الواجب العام. ولسنا ضد تحصيل الحقوق القانونية للدولة، بل ضد أن تتحول الجباية إلى ثقافة إدارية تطغى على الخدمة والعدالة والإنصاف.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن مراجعة أداء المؤسسات وتعزيز كفاءتها تأتي انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ، التي أكدت مراراً أن الأمن الوطني مفهوم شامل لا يقتصر على الجانب العسكري والأمني، بل يمتد إلى الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والمائي، وإلى جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على استباق المخاطر ، وقد شدد جلالته، خلال ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي في 24 تشرين الأول 2026، على أهمية إجراء تقييم أمني شامل، وتطوير إجراءات عملية تعزز الجاهزية والاستباق، إلى جانب مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف ومعالجة منابعه. ومن هنا، فإن الدعوة إلى مراجعة أدوار المؤسسات وأولوياتها وأهدافها ودورها ورسالتها التي وجدت لاجلها التي تساهم في تحقيق الرؤية الملكية للأمن الشامل، وترجمة التوجيهات إلى أداء أكثر كفاءة وفاعلية، تكون فيه خدمة المواطن وحماية الوطن في مقدمة الأولويات.

وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الدولة ليست مباني ودوائر وموازنات ومشاريع فحسب؛ الدولة عقد ثقة ومسؤولية بين مؤسساتها ومواطنيها.

فإذا كان لكل مؤسسة حساب مالي تقدمه في نهاية العام، فمن يقدم للمواطن حساباً عن رسالتها؟

وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الدولة ليست مباني ودوائر وموازنات ومشاريع فحسب؛ الدولة عقد ثقة ومسؤولية بين مؤسساتها ومواطنيها.

فإذا كان لكل مؤسسة حساب مالي تقدمه في نهاية العام، فمن يقدم للمواطن حساباً عن رسالتها؟

مدار الساعة ـ