دُفن جواد.
انتهت مراسم التشييع، وتفرق النشامى، وعادت البورية الشامخة إلى خزانته، ووضعت على قبره علم الأردن، وعاد الجميع إلى بيوتهم.. إلا جواد، عاد إلى بيت جديد، تحت التراب.دُفن جواد في مقبرة العائلة، في المشيرفة - أم الرصاص، بين أهله، بين التراب الذي أحبه.والآن.. ماذا سنقول؟هل نقول انتهت القصة؟ لا.. القصة بدأت الآن.ماذا سنقول لزملاء جواد في الأمن العام؟سنقول: لا تخلعوا سوادكم بسرعة، تذكروا أن جواد مات وهو يرفض أن يسلم سلاحه. حافظوا على سلاحه كما حافظ هو، وحافظوا على بوريتكم شامخة كما وعدتموه.ماذا سنقول للقاضي الذي سيحاكم قاتله؟سنقول: هذا ليس قاتل جواد وحده، هذا قاتل بيت كامل، قاتل أم كانت تنتظر لقمة ابنها. لا تأخذكم به رحمة، فهو لم يرحم شاباً في مقتبل عمره.ماذا سنقول لأم فارس أم الشهيد جواد وهي الآن في بيتها بدون جواد؟سأحتار بما اقوله لها وهي التي كانت كل يوم تفتح الباب وتقول: أجا جواد؟ اليوم من سيفتح الباب؟ من سيضع راتبه على الطاولة؟ من سيقول لها: يما بدك شي؟ماذا سنقول لها؟ سنقول: يا أم فارس، جواد لم يُدفن، جواد زُرع.زُرع في كل بيت أردني، وسيكبر مع كل دعاء، ومع كل رغيف خبز سيصل لبيتك من أهل الخير.يا أم فارس..أكتب لكِ كي نتعلم منك كيف يكون الصبر.كي اقول لكِ "الي ربيتيه ما مات، اللي ربيتيه صار رمز".جواد اللي ربيتيه 20 سنة على الأدب والأخلاق، زي ما قال عنه عمه وزملائه ، اليوم كل الأردن بتحكي بأخلاقه.يا أم فارس.. أعرف إن الوجع كبير، وأعرف إنك كنتي تستنيه كل يوم يرجع من الدوام، وكان هو الوحيد اللي بيشتغل في الدار عشانكم.. بس بدي أقولك شيء:ابنك ما كان يرعاكم لحالكم، ابنك كان يحرس كل بيوت الأردنيين.وابنك ما راح، ابنك ارتقى.. الشهداء عند ربهم أحياء، والله قال "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا".جواد سبقك للجنة، وترك لك وسام على صدرك ليوم الدين، يقال لك يوم القيامة "هذه أم الشهيد".دموعك غالية يا أم فارس، ودم جواد اللي روى الأرض قبل المطر غالي، وحق جواد ما راح يضيع، لأن وراه وطن كامل وقانون ودولة.أنتِ اليوم مش أم جواد لحالك، أنتِ أم كل الأردنيين.الله يصبر قلبك، ويجبر كسرك، ويجعل قبره روضة من رياض رحمك الله يا جواد.. وجعل مثواك الجنة.إنا لله وإنا إليه راجعوندُفن الشهيد جواد.. ماذا سنقول الآن؟
مدار الساعة ـ