أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من التشييع إلى التشريع.. دماء الشهداء تضع الحكومة أمام مسؤولياتها


الدكتور محمد العشي

من التشييع إلى التشريع.. دماء الشهداء تضع الحكومة أمام مسؤولياتها

مدار الساعة ـ

بحزنٍ يملأ القلوب وفخرٍ يليق بتضحيات الأبطال، ودّع الأردنيون شهيد الوطن، العريف جواد علي خلف السلايطة، الذي روى بدمائه الزكية ثرى هذا البلد، مسطراً اسمه في أنصع صفحات التضحية والفداء. لم يكن مشهد التشييع المهيب مجرد مراسم وداع عسكرية، بل كان مشهداً وطنياً يعكس عمق الانتماء لهذا الثرى؛ إذ تلاحمت أكتاف الأردنيين في وداع الشهيد، في صورة جسّدت أسمى معاني الوفاء والتكاتف في مواجهة الغدر.

وقد حملت مشاركة نائب جلالة الملك، سمو الأمير فيصل بن الحسين، في تشييع جثمان الشهيد، إلى جانب كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، وجموع غفيرة من أبناء الوطن، دلالاتٍ عميقة تؤكد مجدداً أن القيادة الهاشمية ومؤسسات الدولة لا تقف في صفوف المراقبين، بل هي دائماً في خندق واحد مع أبناء شعبها، تشاطرهم الوجع، وتقف إلى جانب عائلات الشهداء، لتؤكد أن دماء أبناء قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية هي أغلى ما يملكه الوطن.

إن وداع شهيد الوطن اليوم يعيد تذكيرنا بحقيقة راسخة: محاربة الإرهاب والتطرف ليست معركة عابرة أو موسمية، بل هي مواجهة مستمرة وباقية. خفافيش الظلام لا تنام، وعقيدتهم المبنية على الهدم تتطلب منا يقظة لا تعرف الغفوة. فرجال الأمن العام والأجهزة الأمنية يقفون كالسد المنيع في وجه كل من تسول له نفسه العبث بطمأنينة الشارع الأردني، ويعرّضون أرواحهم للخطر دفاعاً عن أمن الوطن واستقراره، لتبقى رايته مرفوعة وينعم أبناؤه بالأمان.

ولكن حماية هذه الدماء الزكية وصون تضحيات أبنائنا يتطلبان ما هو أبعد من الاستنكار والوداع المشرّف؛ فالمطلوب مراجعة جادة للإجراءات التشريعية والأمنية، وتعزيز الرقابة الوقائية على كل من تثبت التقييمات المختصة استمرار خطورته الإجرامية أو الإرهابية بعد انتهاء محكوميته، وفقاً لأحكام القانون وبموجب ضمانات قضائية واضحة، بما يوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات. فالعقوبة قد تنتهي بانتهاء مدتها، لكن مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها لا تنتهي، والوقاية من الجريمة يجب أن تسبق وقوعها لا أن تأتي بعدها.

إلى جانب ذلك، بات من الضروري دراسة تشديد العقوبات على الجرائم الإرهابية والاعتداءات التي تستهدف رجال الأمن أثناء تأدية واجبهم، بما يحقق الردع ويحفظ هيبة القانون، فلا يجوز أن تصبح حياة من يسهرون على أمننا عرضة للاعتداء دون أن تكون هناك عقوبات تتناسب مع خطورة هذه الجرائم.

لقد أدى رجال الأمن واجبهم، وقدموا أرواحهم دفاعاً عن الأردن، والشعب عبّر عن موقفه بالتفافه حول مؤسساته وقيادته، واليوم، وبكل وضوح، تقع على عاتق الحكومة مسؤولية مواصلة العمل، بالتعاون مع السلطة التشريعية والجهات المختصة، لترجمة هذا الوجع الوطني إلى قرارات عملية، ومراجعة الإجراءات، ومعالجة أي ثغرات قد تكشف عنها التقييمات المختصة، بما يعزز حماية المجتمع ويحول دون تكرار مثل هذه المآسي.

لأن الأردن يستحق أن يبقى عصياً على الإرهاب والإجرام، فإن دماء جواد السلايطة وسائر شهداء الوطن أمانة في أعناق أصحاب القرار، ومسؤولية وطنية تستوجب مواصلة العمل على تطوير التشريعات والإجراءات، واتخاذ قرارات فاعلة تحمي ظهر من يحرسوننا في عتمة الليل، وتصون أمن المجتمع، فلا ينبغي أبداً أن تضيع هذه التضحيات بين التصريحات والإجراءات المؤجلة. رحم الله الشهيد جواد السلايطة، ورحم جميع شهداء الوطن من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، وكل من ارتقى دفاعاً عن الأردن وأمنه وكرامته، وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ المصابين، ونسأل الله العلي القدير أن يمنّ بالشفاء العاجل والتام على البطل المصاب، الملازم الثاني فراس فايز عبد الله العنانزة، من مرتبات الأمن الدبلوماسي والدوائر، وأن يديم على وطننا نعمة الأمن والأمان.

فليس الوفاء للشهداء أن نبكي رحيلهم فقط، بل أن نجعل من دمائهم سبباً في ألا تبكي أمٌّ أردنية شهيداً آخر.

مدار الساعة ـ