ما حدث اليوم من فعل إرهابي جبان، وما أسفر عنه من استشهاد ابننا البطل العريف جواد السلايطة، يشكل صدمة عميقة وجرحاً في وجدان المجتمع الأردني، ويضعنا جميعاً أمام مشهد مؤلم وغريب عن قيم مجتمعنا وتاريخه وأصالته.
أن تُسفك دماء أردني، وأن يُقتل شاب من أبناء الوطن، ومن نشامى الجيش والأجهزة الأمنية، بدم بارد، وأثناء قيامه بواجبه، وفي قلب العاصمة عمّان، وفي وضح النهار وأمام أعين المارة، فهذه جريمة نكراء لا يمكن التعامل معها باعتبارها حادثة عابرة، بل هي اعتداء على أمن المجتمع وطمأنينته وهيبة الدولة وسيادة القانون.إن استشهاد ابننا جواد السلايطة لا يمثل خسارة لعائلته وزملائه فحسب، بل هو وجع لكل بيت أردني، ولكل مواطن يؤمن بأن أمن الأردن واستقراره مسؤولية وطنية مشتركة.والأكثر إيلاماً أن ما جرى أمام أعين عدد من المارة يفتح نقاشاً اجتماعياً مهماً حول ثقافة التدخل الإنساني الآمن، والاستغاثة، وطلب المساعدة، وعدم الوقوف موقف المتفرج أمام الاعتداءات والجرائم. مع التأكيد أن تقدير ظروف الموجودين ومخاطر تدخلهم مسؤولية لا يجوز التسرع في الحكم عليها، لكننا بحاجة إلى تعزيز ثقافة المسؤولية والتضامن والشجاعة المدنية.وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية وخطورة:إذا ثبت أن مرتكب الجريمة سبق أن أُدين بقضايا إرهابية وقضى سنوات في السجن، ثم خرج وعاد إلى ارتكاب فعل بهذه الخطورة، فأين منظومة الإصلاح والتأهيل؟ وأين برامج المتابعة والتقييم والوقاية من العودة إلى التطرف والعنف؟ وما مدى فاعلية التدابير المتخذة لمنع تكرار مثل هذه الجرائم؟إن السجون وحدها لا تكفي لمعالجة الفكر المتطرف، والعقوبة، على أهميتها، يجب أن تترافق مع برامج حقيقية لإصلاح الفكر والسلوك، وتقييم المخاطر، والمتابعة القانونية والمؤسسية، بما يحمي المجتمع ويمنع تكرار الجريمة.كما أن هذه الحادثة تفرض علينا طرح أسئلة جادة حول مصادر تغذية الفكر التكفيري، والبيئات التي تسمح بنموه، ودور الأسرة والمجتمع والمؤسسات الرسمية في اكتشاف مؤشرات التطرف والتعامل معها مبكراً، ضمن القانون ودون اتهام جماعي أو تحميل المسؤولية لأشخاص لم تثبت صلتهم بالجريمة.إن مواجهة الإرهاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية متكاملة.وهنا لا بد من مراجعة جادة لدور المؤسسات التعليمية والدينية والتربوية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، والعمل على بناء منظومة وطنية متكاملة لمواجهة التطرف وخطاب الكراهية والفكر التكفيري، تقوم على إصلاح العقول، وتعزيز الوعي، وترسيخ قيم المواطنة والتسامح وقبول الآخر، وتحصين الأجيال من الأفكار الهدامة.نحتاج إلى تعليم يصنع الوعي، وخطاب ديني يعزز الوسطية والاعتدال، وإعلام مسؤول يحارب التحريض، ومؤسسات مجتمعية تصل إلى الشباب وتحتضن طاقاتهم وتفتح أمامهم أبواب المشاركة والانتماء والعمل الوطني.وفي الوقت ذاته، لا بد من تطبيق القانون بكل حزم وعدالة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإرهاب أو التحريض أو دعم الأعمال الإجرامية، دون تهاون أو انتقائية.إن الأردن الذي واجه التحديات عبر تاريخه، وبقي واحة أمن واستقرار في محيط مضطرب، لن تسمح وحدته الوطنية ولا مؤسساته ولا وعي أبنائه بأن يتحول إلى ساحة للفكر التكفيري والإجرام.إن دماء الشهيد جواد السلايطة أمانة في أعناقنا جميعاً، وتستحق منا أكثر من كلمات الحزن والاستنكار؛ تستحق مراجعة وطنية جادة، وإجراءات عملية، ومحاسبة واضحة، ومنظومة وقاية تحمي الإنسان والوطن.رحم الله شهيد الوطن العريف جواد السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، وحمى الله نشامى أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة، وحفظ الأردن آمناً مستقراً في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه.الأردن أكبر من الإرهاب، وأقوى بوحدة أبنائه، وسيبقى عصياً على كل من يحاول النيل من أمنه واستقراره.من يحمي المجتمع من الفكر الإرهابي الظلامي والتكفيري؟
مدار الساعة ـ