أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
جواد… للبيت حقّ في عودتك

جواد… للبيت حقٌّ في عودتك


أ.د. نورس شطناوي

جواد… للبيت حقٌّ في عودتك

مدار الساعة ـ

الاسم الذي يمرّ أمامنا في خبرٍ عاجل، هو عند أهله حياةٌ كاملة؛ صوتٌ يعرفونه بين ألف صوت، وخطواتٌ يألفونها قبل أن يُفتح الباب، ووجهٌ يطمئنّون لمجرّد وجوده... سنحزن، ثم نغلق هواتفنا ونعود إلى ما كنّا نفعله؛ أما هم، فسيجدون غيابه في كل ما اعتادوا فعله معه… يبدأ عندهم انتظارٌ يعرفون أنه لن يعود، ولا تعرف قلوبهم كيف تتوقّف عنه.

وأمّه، كيف يمرّ عليها اسمه؟

نراه نحن في بزّته العسكرية، وتراه هي بكل الأعمار التي عاشها أمام عينيها. ترى في وجه الرجل ملامح طفلها، وفي اسمه سنواتٍ من الخوف عليه والفرح به. فالأبناء يكبرون في أعين الناس، وتبقى لهم في قلوب أمهاتهم أعمارٌ صغيرة، لا يغادرونها أبداً.

اليوم، استشهد العريف جواد علي خلف السلايطة وهو يؤدي واجبه في عمّان.

كان في واجبه... وهذه العبارة التي نمرّ بها تستحق أن نتوقف عندها طويلاً. كان في مكانه، لنمضي نحن إلى أماكننا مطمئنين؛ ننشغل بمواعيدنا، ونتذمر من زحام الشوارع، ونخطط لما سنفعله مساءً، فيما يحمل رجالٌ مثله عن يومنا جانباً من القلق.

وكان من حقه، هو أيضاً، أن ينتهي دوامه.

أن يتعب، ويستريح.

أن يعود.

ومن حق أمّه أن ينتهي قلقها عليه بصوته، ومن حق البيت أن يستعيد خطاه.

لم يبتعد وجع حمود بعد.

ما زالت أسماء شهدائها أثقل من أن تتحول إلى ذكرى. وما زال الحزن قريباً، لا نحتاج إلى استدعائه؛ يكفي خبرٌ جديد حتى نشعر بأن الجرح الذي حاولنا تضميده لم يتوقف عن النزف.

واليوم يأتي اسم جواد.

بين شهداء حمود وجواد السلايطة رابطةٌ عميقة، لا تحتاج إلى افتراض صلةٍ بين الجريمتين: حق الإنسان في أن يمضي في يومه آمناً، وألّا يقرر قاتلٌ أين تنتهي حياته. حقه في أن يطمئن في مكان عبادته، وفي شارع مدينته، وفي موقع عمله، وأن يعود إلى الذين يحبّونه.

ذلك الحق البسيط، الذي لا ينبغي أن يحتاج إلى كل هذه الدماء كي ندافع عنه.

في حمود فقدنا وجوهاً من أهلنا، واليوم نفقد وجهاً ممن يسهرون على أمن أهلنا. والحزن يعرف طريقه إلى القلب الأردني من دون أن يسأل عن هوية الضحية. فالبيوت المفجوعة تتشابه من الداخل؛ مكانٌ خالٍ، وصوتٌ غائب، وأشياءُ صغيرة تصبح فجأةً أكبر من قدرة أصحابها على الاحتمال.

ولهذا نبكيهم معاً.. نعرف أن وراء كل اسمٍ حياةً انقطعت، وحياةَ آخرين لن تعود كما كانت.

نقول لأهل الشهيد: ارفعوا رؤوسكم.

ومن حقهم علينا أن نقول أيضاً: لكم أن تبكوا.

ليس في الدمع ما ينتقص من الشرف، وليس على أهل الشهيد أن يخفوا انكسارهم كي يثبتوا اعتزازهم به. يستطيع الإنسان أن يفخر بمن أحب، وأن يتمنى، بكل ما في قلبه، لو أنه بقي إلى جواره.

ويا أمّ جواد، لا نملك كلاماً يعادل وجعكِ. ندعو لكِ بالصبر، ونعرف أن الصبر لا يلغي الشوق، وأن الفخر بابنكِ لا يمنع القلب من أن يتمنى سماع صوته مرةً أخرى.

لن نحمّلكِ فوق الفقد واجبَ إخفائه.

علينا نحن أن نحمل نصيبنا من المسؤولية: أن نبقى قرب أهالي الشهداء حين تخفّ زيارات المعزّين، وأن نصون خصوصية حزنهم، وأن نسأل ماذا نفعل كي لا يستيقظ بيتٌ آخر على المصاب نفسه.

فمواجهة الإرهاب تبدأ أيضاً قبل الجريمة؛ حين نرفض تبرير الكراهية، وحين نعلّم أبناءنا أن الاختلاف لا يسقط حرمة الإنسان، وحين نواجه الأفكار التي تبيح الاعتداء على الحياة، قبل أن يتحمّل رجل الأمن وحده نتائجها في الشارع.

الوفاء لجواد ولشهداء حمود يقتضي أن يتحول حزننا إلى حرصٍ وعمل. أن نحمي الناس، ونحاصر التحريض، ونرفض أن تصبح أخبار الفقد مشهداً نعتاده ثم نمضي.

فما نمرّ عليه نحن بوصفه خبراً، سيبقى عند أهله تاريخاً يقسم حياتهم إلى ما قبله وما بعده.

يا جواد…

سيحفظ الوطن اسمك، وسيذكرك زملاؤك، وسندعو لك ولشهداء حمود بالرحمة. لكننا نعرف أن كل هذا لا يعوّض أهلك عن لحظةٍ واحدة يسمعون فيها صوتك.

رحمك الله، وربط على قلب أمّك وقلوب من أحبّوك.

كنّا نريد أن يمرّ هذا اليوم عادياً، فلا نرى صورتك محاطةً بالسواد. كنّا نريد أن تعود إلى بيتك، وتحكي عن يومٍ متعب، ثم تستريح.

كنتَ تحرس حقّ الناس في العودة… وكان في بيتك مَن له الحقّ نفسه في عودتك.

مدار الساعة ـ