إنّ هناك مشتركات كثيرة بين الصراع الدائر في إقليم الشرق الأوسط الآن وبين الصراعات الأخرى التي دارت أو تدور حالياً في أقاليم أخرى من العالم، ولكنه من الملفت حقاً أن الصراع الدائر الآن في إقليم الشرق الأوسط يتميز دون غيره بالعديد من الملامح لعلّ من أهمها:
أولاً: أنّه بدأ بسبب الموقف من البرنامج النووي الإيراني وما يُلاحظ بشأن هذا الموضوع أنه ليست الولايات المتحدة وإسرائيل فقط ضد هذا البرنامج وما يمكن أن ينتهي إليه من سلاح نووي بل الدول الأوروبية ودول أخرى كثيرة حتى حلفاء إيران مثل روسيا والصين ناهيك عن الدول الإقليمية مثل تركيا والسعودية، والواقع أنّه لم يثر أيّ برنامج نووي في العالم مثل الذي أثاره البرنامج النووي الإيراني رغم أنّ هناك تسع دول نووية في العالم (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، الهند، باكستان، كوريا الشمالية، إسرائيل) علماً أنّ الأخيرة (أيّ إسرائيل) لم تعترف صراحةً بامتلاكها للسلاح النووي ولكن هذا معروف جيداً لدى جميع المتابعين والمهتمين.ثانياً: أنّ الممرات المائية وهي بالذات مضيقا هرمز وباب المندب تلعب دوراً محورياً في الصراع الدائر الآن في الإقليم فالولايات المتحدة وإيران تدّعيان السيطرة على مضيق هرمز، ومنه وحواليه تحاصر الولايات المتحدة الموانئ الإيرانية، ويدور حول مضيق باب المندب صراع مكتوم تشارك به أطراف عديدة وقد أشّرت قضية مضيقي هرمز وباب المندب في الصراع الدائر الآن على أهمية بقية المضائق العالمية (مضيق مَلَقَه، وقناة السويس، ومضيق تايوان) وما يمكن أن تتسبب به من آثار في حال إغلاقها وانعكاسات ذلك على سلاسل التوريد وحركة التجارة العالمية بشكل عام. لقد شهدت الصراعات السابقة محاولات كثيرة من الدول المتحاربة للسيطرة على المضائق ولكن الصراع الدائر الآن في الشرق الأوسط ينعكس بشكل جلي على تدفق أهم السلع العالمية (النفط، الغاز، الأسمدة...) وغني عن القول أنّ هذا ينعكس على اقتصاديات العالم بشكل أو بآخر وبمستوى أو بآخر!ثالثاً: تجلي دور "الفواعل ما دون الدولة" في الصراع، فإسرائيل والولايات المتحدة تحسب (أو كانت تحسب على وجه الدقة) لحزب الله حساباً أكثر من بعض الدول وبالتأكيد أكثر من الدولة اللبنانية، وحركة أنصار الله الحوثيين تهاجم السعودية في مناطق كثيرة حساسة كخط شرق غرب الواصل بين رأس تنورة في الشرق السعودي وينبع في الغرب السعودي على البحر الأحمر، وتكاد تشل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، كما أنّ الحركات المسلحة العراقية الموالية لإيران (الولائية) تعترض على إغلاق منفذ "الشيبة" بين العراق وإيران بل تهدد بفصل محافظة ميسان العراقية عن بقية محافظات العراقّ!. صحيح أن هذه الفواعل ضَعُفت كثيراً في الآونة الأخيرة ولكن الصحيح أيضاً أن الحوثيين ما زالوا يشكلون خطراً حقيقياً ليس فقط على وحدة اليمن وحكومته الشرعية بل على الدول المجاورة كالسعودية. رابعاً: اشتباك بين القوى الإقليمية لإثبات موجوديتها وتكريس دورها الإقليمي إذْ من الواضح أنّ إيران تحاول تثبيت دورها الإقليمي عبر اشتباكها المباشر مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في الإقليم كما تحاول ذلك من خلال أذرعها (حزب الله اللبناني، أنصار الله الحوثيين في اليمن، الجماعات المسلحة في العراق)، كما تحاول السعودية من الجهة الأخرى ضرب النفوذ الإيراني من خلال التصدي للحوثيين والانتصار للحكومة الشرعية في اليمن في إطار ما يُسمى بالتحالف العربي، ومن الجدير بالذكر أن المواجهة بين هاتين القوتين الإقليميتين المهمتين سوف يكون لها ما بعدها ليس فقط على مستوى الإقليم بل ربما على مستوى العالم.خامساً: تفرد قوة كونية عظمى واحدة بمجريات الصراع والمقصود هنا الولايات المتحدة التي تكاد تكون الوحيدة صاحبة القول الفصل في تأجيج الصراع أو إنهائه فهي التي هاجمت إيران مرتين (حرب الـ 12 يوماُ في عام 2025، وحرب الـ 40 يوماً في عام 2026)، وهي التي تحاصر الموانئ الإيرانية، ولا تكاد القوى الكونية الكبرى الأخرى في العالم كروسيا (ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم)، والصين (ثاني اقتصاد في العالم) تفعلان شيئاً مؤثراً في ديناميات الصراع ومآلاته فروسيا مشغولة بحربها الضروس مع أوكرانيا، والصين تمارس سياسة "النأي بالنفس"، "وعدم التعجل" في ممارسة دورها كقوة كبرى ذات نفوذ عالمي. لقد شهد الصراع الدائر في الشرق الأوسط مواجهتين عسكريتين كبيرتين كما أشرنا آنفاً، وهو يدور الآن بشكل مكتوم نسبياً (اقتصادي أكثر مما هو حربي)، وكل المؤشرات توحي بأنه سينفجر من جديد وبمعدلات أكبر وأخطر، ولكن الملامح الآنفة الذكر تظل هي الخصائص المميزة واللافتة في هذا الصراع الذي من المأمول أن ينتهي ليس لصالح الأطراف المنخرطة فيه فقط بل لصالح كل شعوب العالم.ملامح تفرّد الصراع الدائر في إقليم الشرق الأوسط
مدار الساعة ـ