ليست كل الحدود خطوطًا تفصل بين البلدان، فبعضها يكشف كم يجمع الناس أكثر مما يميزهم، وبعض الجغرافيا لا تترك لهم حرية التعامل مع مصائرهم بوصفها شؤونًا منفصلة. وبين درعا والرمثا، وعلى امتداد الجنوب السوري وشمال الأردن، لا تبدو الحدود مجرد خط على الخريطة، بل طريقًا طويلًا يعرف الناس نهايته جيدًا، بيتٌ في هذه الجهة، وخالةٌ في تلك، وعرسٌ يُنتظر عبوره، وجنازةٌ يُنتظر الإذن بالوصول إليها.
في هذه الأرض يتشابه كل شيء إلى حد الإرباك، اللهجة التي تتقارب حتى يصعب تمييزها، ورائحة الخبز في الفجر، وأسماء العائلات التي تتكرر على جانبي الحدود كأن أحدًا نسي أن يفصل بينها. وحين ضاقت الأيام بأهل الجنوب السوري، لم يحتاجوا إلى من يدلّهم على الطريق، فقد عرفوا أن وراء الحدود بيوتًا تعرف أسماءهم، وأن الباب الذي سيُطرق ليس بالضرورة باب غريب.لكن الذاكرة تحمل وجهها الآخر أيضًا، فمن عبروا في الليالي الثقيلة يتذكرون الانتظار عند المعابر، والأطفال النائمين على الأكتاف، والسؤال الذي لا يُقال بصوت مرتفع: هل نُستقبل أم نُحتمل؟ ومن استقبلوهم يتذكرون ما فرضته سنوات اللجوء من ضغط على المدارس والمياه والخدمات والأسواق، ويتذكرون في الوقت نفسه أنهم فتحوا الأبواب حين اشتدت المحنة. وهنا يتكوّن واحد من أعقد المشاعر بين الشعوب، امتنانٌ لا يريد أن يتحول إلى دَين، وتعبٌ لا ينبغي أن يتحول إلى جفاء، وذاكرةٌ تحتاج إلى الإنصاف كي لا تتحول التجربة القاسية إلى حاجز جديد بين أناس جمعتهم الجغرافيا قبل أن تجمعهم السياسة.لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأزمات الكبرى لا تتوقف عند المعابر، وأن ما يصيب الدولة في بنيتها ومؤسساتها ومجتمعها لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل يرتد على محيطها بأشكال مختلفة، كما أن الاستقرار الذي يتحقق في الجوار يمكن أن يصبح سندًا للتعافي، وفرصة لتخفيف الأعباء المتراكمة. غير أن المصير المشترك لا يعني تطابق المواقف، ولا يلغي حق كل دولة في تقدير مصالحها ومخاطرها، فللأردن مخاوف مشروعة تتصل بالتهريب والتهديدات الأمنية والجماعات المسلحة، ولسوريا حق أصيل في سيادتها ووحدة أراضيها، وفي أن تكون معالجة التحديات التي تنشأ على أرضها بالتنسيق مع مؤسساتها الوطنية، لا عبر تجاوزها أو التعامل مع أراضيها باعتبارها مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.ليست المشكلة في وجود اختلافات بين دمشق وعمّان، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على التطابق الكامل، وإنما على القدرة على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى مصدر دائم لاستنزاف المصالح المشتركة. والسياسة الناضجة لا تنكر مخاوف الجار ولا تمنحه حق تقرير شؤون جاره، بل تبحث عن صيغة تجعل أمن كل طرف جزءًا من حل مستدام، لا ذريعة لإدامة المشكلة.وفي الجنوب السوري تتجلى هذه المعادلة بكل تعقيداتها، فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة أمنية في الحسابات الأردنية، ولا خط دفاع في الحسابات السورية، بل مجتمع يعيش بين تحديات متراكمة، تتقاطع فيه شبكات التهريب مع التشكيلات المحلية، وتتجاور فيه سلطة الدولة التي تسعى إلى استعادة حضورها مع أنماط من اقتصاد البقاء نشأت وتوسعت في سنوات غياب المؤسسات وضعفها. ومن يعيش هناك لا يرى في هذه المسائل ملفات أمنية مجردة، بل تفاصيل يومية تمس حياته وكرامته ومستقبله، شابًا يبحث عن مورد رزق في اقتصاد ضيق، وأمًّا تخشى الليل وما يحمله من مفاجآت، ومزارعًا يحسب خسارة موسمه بمقدار ما يسمح به الطريق من حركة ووصول.لهذا، فإن السؤال لا يقتصر على من يملك الحدود، بل يمتد إلى من يمتلك القدرة الفعلية على ضبطها، وإلى ما الذي يملأ الفراغ حين تتأخر المؤسسات، وكيف يمكن تحويل المناطق الحدودية من هوامش مثقلة بالمخاطر إلى مساحات للحياة والعمل والتبادل المشروع. فالمعالجة الأمنية، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها إنهاء مشكلة تتغذى أيضًا من الفقر والبطالة وضعف الخدمات وانكماش فرص العمل، كما أن التنمية لا يمكن أن تنجح في بيئة تفتقر إلى الأمن وسيادة القانون، والمطلوب ليس الاختيار بين الأمن والتنمية، بل إدراك أن كلًّا منهما شرط لاستدامة الآخر.وثمة خسارة لا تلتقطها التقارير الأمنية ولا تظهر في جداول التجارة، وهي أن الخوف حين يطول يتحول إلى جزء من تربية الأجيال. فأطفال نشؤوا على إيقاع الأخبار الأمنية يتعلمون مبكرًا أن الحدود مكان تُحسب فيه الخطوات، وأن الجار الذي كان امتدادًا طبيعيًا للحياة قد يصبح مصدر قلق، وأن العبور الذي كان تفصيلًا عاديًا في حياة العائلات صار احتمالًا تحكمه الظروف والإجراءات والمخاطر. وهذه من أبطأ الخسائر وأعمقها، لأنها لا تنتهي بمجرد تحسن المؤشرات الأمنية، بل تحتاج إلى سنوات من الاستقرار والثقة حتى تستعيد العلاقات الإنسانية عافيتها.من هنا، فإن الانتقال من إدارة المخاطر إلى بناء المصالح ليس عبارة دبلوماسية جميلة، بل خيار استراتيجي تفرضه الجغرافيا وتؤكده التجربة. فسوريا التي تستعيد مؤسساتها وقدرتها على الإنتاج، وتضبط حدودها بالقانون، وتوفر لأبنائها فرصًا للحياة والعمل، تمثل مصلحة استراتيجية للأردن، كما أن الأردن المستقر الذي يفتح مسارات التجارة ويربط سوريا بمحيطها العربي يشكل فرصة حقيقية للتعافي السوري. وما يحتاج إليه البلدان ليس مجرد تبادل رسائل الطمأنة، بل بناء تعاون مؤسسي مستمر في ملفات الحدود والتجارة والنقل والمياه والطاقة، بما يجعل المصالح المشتركة واقعًا ملموسًا، لا مجرد تفاهمات تتأثر بتبدل الظروف السياسية.ولا يعني ذلك أن الطريق سهل، فالثقة لا تُستعاد بقرار، والمصالح لا تُبنى بالتمنيات، والسنوات التي راكمت الشكوك لا يمكن تجاوزها بخطاب متفائل وحده، لكنها تبدأ بخطوات واضحة، وباحترام متبادل للسيادة، وبتنسيق أمني يعالج المخاطر من دون تجاهل أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، وبفتح المجال أمام التجارة المشروعة، وتيسير حركة الناس، وإعادة الاعتبار إلى المناطق الحدودية بوصفها جزءًا من الاقتصاد الوطني في البلدين، لا مجرد أطراف بعيدة لا تظهر في الاهتمام العام إلا حين تقع أزمة.إن أمن الأردن لا يمكن فصله عن قدرة الدولة السورية على التعافي، مثلما أن تعافي سوريا يحتاج إلى جوار عربي مستقر وشراكات تقوم على المصالح والاحترام المتبادل. وهذه ليست دعوة إلى تطابق الحسابات أو تجاوز الخلافات، بل إلى فهم حقيقة بسيطة: الفراغ الذي يضعف إحدى الدولتين لن يبقى محصورًا داخل حدودها، والاضطراب الذي يستنزف مجتمعًا في إحداهما سيجد طريقه، عاجلًا أم آجلًا، إلى المجتمع الآخر. أما الاستقرار الذي يُبنى على مؤسسات فاعلة واقتصاد منتج وعلاقات متوازنة، فيمكن أن يتحول إلى مكسب مشترك يتجاوز الحكومات والظروف العابرة.والجغرافيا تمنح الدول حق الجوار، لكنها لا تمنحها حكمة إدارته، فهذه الحكمة تُبنى بالثقة وتحمل المسؤولية، وبإدراك أن المواقف الأعلى صوتًا ليست دائمًا الأقدر على حماية المصالح، وأن بعض الأزمات يمكن منعها قبل أن تتحول إلى ملفات أمنية معقدة، وأن العلاقة المستقرة لا تحتاج إلى اتفاق الطرفين على كل شيء، بقدر ما تحتاج إلى اتفاقهما على ألا يدفع الشعبان ثمن الخلافات أكثر مما تقتضيه الضرورة. فالحكومات تتبدل، والحسابات السياسية تتغير، لكن الجغرافيا تبقى، ويبقى معها الناس الذين لا يملكون ترف اختيار الجوار أو الانسحاب من تبعاته.ولعل السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يشغل دمشق وعمّان ليس كيف يمكن لكل طرف أن يحصل على ضمانات من الآخر فحسب، بل كيف يمكن بناء ثقة تجعل الضمانات نتيجة لعلاقة مستقرة، لا شرطًا مؤجلًا لبدئها، ومن يتحمل مسؤولية الخطوة الأولى حين ينتظر كل طرف من الآخر أن يبدأ؟ فليس المطلوب أن تختفي المخاوف بين ليلة وضحاها، بل ألا تتحول إلى قدر دائم، وليس المطلوب أن تُمحى الذاكرة، بل أن تتحول دروسها إلى أساس لعلاقة أكثر نضجًا وعدلًا.في نهاية المطاف، لا يسأل الناس على جانبي الحدود عن كل تفاصيل التفاهمات السياسية، بقدر ما يسألون إن كان الطريق آمنًا، وإن كانت الشاحنة ستعبر، وإن كان بوسعهم زيارة أقاربهم من دون قلق، وإن كان أبناؤهم سيجدون عملًا يغنيهم عن اقتصاد المخاطر، وإن كان العرس سيُقام في موعده من دون أن تتحول المسافة القصيرة إلى رحلة محفوفة بالاحتمالات. تلك هي المقاييس التي تمنح العلاقات بين الدول معناها الحقيقي، حين تنعكس السياسة أمنًا في حياة الناس، وفرصًا في مستقبلهم، وكرامةً لا تتوقف عند المعابر.بين سوريا والأردن أكثر من حدود مشتركة، هناك ذاكرة متداخلة ومصالح لا تستطيع الجغرافيا أن تفصلها، ومستقبل يتأثر بما ينجح البلدان في بنائه معًا. وربما لا يكون السؤال كيف ننهي القلق تمامًا، فهذا ما لا تضمنه السياسة في منطقة مثقلة بالتقلبات، بل كيف نمنعه من أن يصبح اللغة الوحيدة بين الجارين، وكيف نترك للأجيال التي لم تختر أزماتها أن ترث من هذه الحدود طريقًا إلى الحياة، لا درسًا دائمًا في الخوف، وأن تعبر يومًا إلى الجهة الأخرى لا لأنها مضطرة إلى النجاة، بل لأنها ببساطة ذاهبة إلى بيت تعرفه.
على الجهة الأخرى من القلق.. سوريا والأردن
بشار الحاج علي
دبلوماسي سوري سابق
دبلوماسي سوري سابق
مدار الساعة (تلفزيون سوريا) ـ
بين سوريا والأردن أكثر من حدود مشتركة، هناك ذاكرة متداخلة ومصالح لا تستطيع الجغرافيا أن تفصلها، ومستقبل يتأثر بما ينجح البلدان في بنائه معًا
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأزمات الكبرى لا تتوقف عند المعابر، وأن ما يصيب الدولة في بنيتها ومؤسساتها ومجتمعها لا يبقى محصورًا داخل حدودها