لو علّقت خريطة الشرق الأوسط على الجدار وتأملتها طويلًا، لرأيت ما لا تقوله نشرات الأخبار: موانئ تتسابق نحو الممرات، وممرات تستدعي البوارج، وقوى ترسم بالنفوذ والسلاح خرائط المستقبل، وبينها الأردن، حيث تتقاطع الجغرافيا والتاريخ والمصالح والصراعات. فالخرائط لا تكذب، لكنها لا تتكلم؛ تحتاج إلى من يقرأها بعين التاريخ لا بعين اللحظة فقط. الحروب لا تأتي فجأة، بل يفاجأ بها من يعجز عن قراءة مقدماتها. فالدول تعلن عقائدها قبل أن تتحرك جيوشها، ثم نتساءل: كيف لم نتوقع؟ لأننا لم نقرأ ما كان أمام أعيننا.
وقد عايشت كلفة ذلك بنفسي. ففي عام 2015، حين كنت مديرًا عامًا لصندوق دعم البحث العلمي، دُعيت إلى جلسة حوارية في منزل وزير مخضرم، ضمت نحو عشرين شخصية سياسية وأكاديمية. كنت، على الأرجح، التكنوقراطي الوحيد بينهم، فآثرت الإصغاء. قال أحد كبار المسؤولين إننا فوجئنا بضم روسيا شبه جزيرة القرم ودخولها سوريا بتلك القوة، وإن ذلك اضطرنا إلى تغيير إستراتيجيتنا وخططنا. عندها لم أستطع الصمت، وقلت: إذا كنا قد فوجئنا بسلوك روسيا، فنحن لا نقرأ عقائد الدول ولا عقول زعمائها. فبوتين وريث تقليد روسي قديم يرى في الوصول إلى المياه الدافئة شرطًا للقوة؛ بدأه بطرس الأكبر حتى وصل إلى بحر البلطيق، وواصلته كاثرين الثانية حين ضمت القرم عام 1783. التاريخ الذي يُكتب بالدم لا تمحوه تبدلات الأعلام.تكشف تلك الواقعة أزمة معرفية أعمق: الدول تتحرك وفق عقائد تتجذر في الجغرافيا والذاكرة القومية والمخاوف التاريخية، ومن يكتفي بمتابعة الأخبار لا يرى إلا السطح. وقد لخّص ماكيندر أهمية الجغرافيا في نظريته عن قلب العالم، فيما تُنسب إلى نابليون عبارة «سياسة الدولة في جغرافيتها». وفهم هذه الطبقات شرط لمعرفة اتجاه الريح قبل أن تبلغ بيوتنا.تقوم العقيدة الأمريكية، منذ مبدأ مونرو عام 1823، على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالًا حيويًا لا تقبل فيه نفوذ القوى الخارجية، ثم وسّع ملحق روزفلت عام 1904 هذا المنطق ليمنح واشنطن مبررًا للتدخل. ويتجدد اليوم في خطاب إدارة ترامب بشأن فنزويلا وغرينلاند وقناة بنما وكندا. أما في الشرق الأوسط، فتقوم المصالح الأمريكية على أمن الطاقة والممرات، من هرمز إلى السويس، وحماية التفوق الإسرائيلي. لكن مركز الثقل الأمريكي يتجه إلى المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، فأصبح الشرق الأوسط ملفًا يُدار أكثر مما هو مسرحًا يُقاد، وصارت التحالفات خاضعة لمساومات أشد. وكما قال ثيوسيديديس: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم».أما روسيا، فتحكمها عقدة الجغرافيا: سهول شاسعة وموانئ تتجمد معظم العام. وقد أنتج هذا الهاجس صراعات البلطيق والقرم والبلقان، وصولًا إلى طرطوس وحميميم. ويعد بوتين انهيار الاتحاد السوفييتي كارثة جيوسياسية، ويرى في فضائه السابق مجالًا حيويًا لا مكان فيه لتوسع الناتو. ليست سياسته أيديولوجيا طارئة، بل امتداد لذاكرة وعقيدة قومية عتيقة ترى الأمن في المجال والنفوذ. وقد وصف تشرشل روسيا بأنها «لغز ملفوف بسر داخل لغز، مفتاحه المصلحة الوطنية».وتختلف الصين؛ فهي لا تتوسع بالطريقة الإمبراطورية التقليدية، بل تشتري وتبني وتقرض وتستثمر، مستلهمة مقولة صن تزو إن أعلى درجات الفن إخضاع العدو دون قتال. ومبادرة الحزام والطريق شبكة موانئ وسكك وطاقة تمتد من غوادر إلى بيرايوس وهامبانتوتا وجيبوتي، حيث أقامت أول قاعدة عسكرية خارج حدودها عام 2017. وتحركها مخاوف مضيق ملقا، الشريان الذي قد يخنق خصومها عبره وارداتها من الطاقة. وفي الفراغ الأوروبي، المنشغل بأوكرانيا وأزمات الطاقة واللاجئين، تمددت الصين بالاستثمار، وروسيا في الساحل الأفريقي، وتركيا بالحضور السياسي والعسكري.وفي الإقليم، تتراكم العقيدة الأمنية الإسرائيلية من الجدار الحديدي لجابوتنسكي، القائم على فرض قبول إسرائيل عبر استحالة هزيمتها، إلى ثالوث بن غوريون: الردع والإنذار المبكر ونقل الحرب إلى أرض الخصم، ثم عقيدة بيغن بمنع أي خصم من امتلاك قدرة استراتيجية، كما حدث مع المفاعل العراقي عام 1981، وعقيدة الأطراف التي بنت تحالفات قبل نصف قرن مع إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا. وتتغذى هذه الطبقات اليوم ببعد ديني وتوسعي، يظهر في تعميق الوجود الأمني جنوب سوريا، وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، واستمرار العمليات في جنوب لبنان. وفي البحر الأحمر، يتجه الاهتمام الإسرائيلي نحو باب المندب، وتأتي خطوة الاعتراف بأرض الصومال لتفتح فصلًا جديدًا في التنافس على القرن الأفريقي.وتقابل ذلك رؤية تركية صاغها أحمد داود أوغلو في كتابه «العمق الاستراتيجي، عام 2001»، ترى في الجغرافيا والتاريخ أصلان للقوة يجب الا يُهدران، وتركيا دولة محورية ممتدة من البلقان إلى القوقاز والشرق الأوسط، لا دولة طرفية. وإرثها العثماني رصيد لا عبء. وانتقلت من تصفير المشكلات إلى الحضور العسكري والبحري، عبر مفهوم الوطن الأزرق واتفاق الحدود البحرية مع ليبيا والنفوذ في سوريا وقاعدتي سواكن والصومال. وهنا يتقاطع المشروعان الإسرائيلي والتركي في شرق المتوسط والقرن الأفريقي: تركيا تدعم وحدة الصومال حمايةً لمصالحها، بينما تراهن إسرائيل على أرض الصومال.أما إيران، فعقيدتها مزيج من القومية الفارسية وولاية الفقيه وتصدير الثورة، وتقوم على الدفاع الأمامي عبر شبكة حلفاء ووكلاء في العراق ولبنان واليمن وسوريا، مع هرمز ورقة إستراتيجية والحوثيين امتدادًا نحو باب المندب. لكنها تعرضت لتحولات قاسية منذ 2024؛ فسقوط نظام الأسد قطع جسرها البري إلى لبنان، وأُنهكت قدرات حزب الله. وفي 2026 دخلت المنطقة طورًا أكثر خطورة مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وتعرض الأردن نفسه لصواريخ إيرانية، في انتهاك مباشر لسيادته وأمنه، دون أي مبرر.وفي قلب هذا التقاطع يقف الأردن، بلا نفط ولا وفرة مياه، لكنه يملك أثمن أصول الجغرافيا السياسية: الموقع. إيران تريد توسيع نفوذها غربًا، وإسرائيل تسعى إلى عمق أمني يتجاوز حدودها، وتركيا ترى الأردن شريكًا في الشام، وواشنطن حليفًا ومنصة لوجستية، والصين تبحث عن موطئ قدم في عقدة استراتيجية، فيما تعتبره أوروبا دولة استقرار ووصل ومصداقية. وقد أكد الملك عبدالله الثاني في شباط 2026 دعم الحوار والدبلوماسية وأولوية مصالح المواطنين، في رسالة واضحة بأن الأردن ليس طرفًا في خطط هجومية. وتتمثل مصالحه العليا في أمن الحدود، والوصاية الهاشمية على المقدسات، وقيام الدولة الفلسطينية، ورفض التهجير والوطن البديل، وتوازن العلاقات الدولية، وحماية الاقتصاد من الصدمات.وهنا تظهر الفجوة بين القيادة والمؤسسات. نحن نثق بقدرة الملك على بناء شبكة علاقات دولية متينة، من واشنطن إلى بروكسل وموسكو وبكين وطوكيو، وبحكمته في إدارة التوازنات؛ لكن هذه القدرة تحتاج إلى رجال دولة يفهمون ما يفعل ولماذا، ويواكبون حركته الخارجية بإيقاع داخلي متناسق. فحسن العلاقات لا يعوض المعرفة، والمعرفة السطحية لا تبني مؤسسات قوية. المؤسسة القوية هي التي تلتقط الإشارات، وتتعلم، وتراجع أداءها باستمرار. ويضاف إلى ذلك إعلام الدولة؛ فما قدمه الأردن في غزة من جسور جوية ومستشفيات ميدانية وجهود لمنع التهجير لم يصل إلى المواطن والعالم العربي بالصورة التي يستحقها، فتركنا للآخرين كتابة روايتنا. والقوة الناعمة لا تُهدى، بل تُصنع.كيف يعيد الأردن بناء قدرته على الاستباق؟ البداية بمجلس تفكير استراتيجي وطني يضع سيناريوهات العقد القادم ويكون مرجعًا حقيقيًا لصانع القرار، وتأهيل النخبة في الدراسات الاستراتيجية وعقائد الدول، وبناء تحالفات أفقية مع العراق ومصر والخليج، وعلاقة مرنة مع تركيا، وحوار مدروس مع إيران، وعلاقة محسوبة مع سورية الجديدة تحكمها المصالح الكبرى وأمن الحدود ومكافحة التهريب وعودة اللاجئين. ويقتضي ذلك تنويع الاقتصاد وتأمين المياه والطاقة، وتطوير دبلوماسية عامة تروي قصة الأردن بلغات العالم، وتعزيز جبهة داخلية تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص، وتنسيق أمني مع الشركاء يحفظ استقلال القرار وخطوطه الحمراء: لا للتهجير، ولا لتحويل الأردن إلى ساحة صراع، ولا للمساس بالوصاية الهاشمية.أما المستقبل، فلا يتنبأ به أحد، لكن اتجاهاته قابلة للقراءة: عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه القواعد أمام منطق القوة، وممرات بحرية تتحول إلى ساحات صراع، ومناخ يحوّل ندرة المياه والغذاء إلى سلاح، ومنافسة إسرائيلية تركية قد تتخذ أشكالًا من المواجهة غير المباشرة، وإيران، سواء انكسرت أو تماسكت، ستترك تداعيات استراتيجية، وقضية فلسطينية ستظل بؤرة اشتعال ما لم تُحل بإقامة دولة فلسطينية. وسيكون الأردن من أكثر الدول تأثرًا بأي تسوية تنتقص من هذا الحق، أو بأي انفجار في الضفة الغربية.أعود كثيرًا إلى جلسة عام 2015. كان الرجل الذي اعترف بالمفاجأة صادقًا، وربما كان صدقه الجزء الأكثر أمانة في الحكاية. لكن كان ينبغي أن نعرف، كما ينبغي للجميع أن يعرف، أن الكبار لا يخفون نواياهم؛ يكتبونها في كتبهم وخرائطهم وموانئهم وتحالفاتهم، ويعلنونها أحيانًا قبل أن تتحول إلى أفعال. وبعد سنوات تغيرت الخرائط والعواصم والتحالفات، وبقي السؤال: ماذا سيفعل بوتين أو ترامب أو شي أو أردوغان أو نتنياهو أو القيادة الإيرانية؟ لقد أخبرونا بما يريدون؛ فهل قرأنا ما قالوه، وفهمنا ما تعنيه أفعالهم لمستقبلنا؟الخطر ليس أن نفاجأ مرة أخرى، بل أن نعرف ولا نتحرك، أو أن نتحرك دون أن نفهم لماذا. والأردن، الذي أتقنت قيادته الهاشمية المناورة بين العواصف، لن يجد أمنه في القوة العسكرية وحدها، ولا في الجغرافيا وحدها، بل في عقل وطني جماعي يقرأ العالم كما هو، ويميز بين نوايا الآخرين وقدراتهم، ويعرف ما يريد قبل أن تفرض الأحداث عليه خياراتها. عندها فقط يتحول الموقع من عبء تفرضه الجغرافيا إلى رصيد تصنعه الدولة.فالخرائط تُرسم بالحبر، وقد تُفرض نتائجها بالدم، لكن الدول لا تُقاس بصغر مساحتها، بل بقدرتها على الفهم والاستباق وصناعة موقعها. الدول الصغيرة إما أن تمسك القلم وتكتب على الخريطة، أو تصبح جزءًا مما يُكتب عليها.من يفهم عقائد الدول وأفكار قادتها يرى الأزمات قبل وقوعها
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
من يفهم عقائد الدول وأفكار قادتها يرى الأزمات قبل وقوعها
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ