أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الغذاء وموسم الإنفلونزا

مدار الساعة,مقالات,أخبار الصحة والأسرة,درجات الحرارة,وسائل التواصل الاجتماعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - بقلم الدكتورة بيان الطريفي - مع حلول الشتاء وانتشار الإنفلونزا الموسمية، تتجدد الأسئلة حول الأطعمة التي تقوي المناعة، من البرتقال والعسل إلى الثوم والزنجبيل والمكملات الغذائية. لكن هل تحمينا هذه الخيارات فعلًا من العدوى، أم أن العلاقة بين الغذاء والمناعة أكثر تعقيدًا مما نعتقد؟ وكيف ندعم مناعتنا بعيدا عن الخرافة الغذائية؟ في كل عام، ومع انخفاض درجات الحرارة، يزداد الاهتمام بالأطعمة والمشروبات التي يُعتقد أنها تحمي الجسم من أمراض الشتاء. وبين النصائح المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات العلمية، قد يصعب التمييز بين الفوائد الحقيقية والمبالغات الغذائية. والحقيقة أن الغذاء يؤدي دورًا أساسيًا في دعم وظائف الجهاز المناعي، لكنه لا يوفر حصانة مطلقة ضد الإنفلونزا، ولا يمكن لطعام واحد أن يمنع الإصابة بها أو يعالجها بمفرده.

يحتاج الجهاز المناعي إلى مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية حتى يؤدي وظائفه بصورة طبيعية، فعلى سبيل المثال فإن فلبروتين، الموجود في البيض والأسماك والدجاج والبقوليات ومنتجات الألبان، ضروري لبناء الأنسجة وإنتاج العديد من المكونات التي تسهم في الاستجابة المناعية. كما يؤدي الزنك دورًا مهمًا في نمو الخلايا المناعية ووظائفها، ويساهم فيتامين C في حماية الخلايا من الإجهاد التأكسدي ودعم وظائف المناعة الطبيعية. وتؤدي فيتامينات A وD وE، إلى جانب الحديد والسيلينيوم، أدوارًا مهمة في الحفاظ على وظائف الجسم والمناعة. لذلك، فإن تناول غذاء متنوع يشمل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين والدهون الصحية يوفر أساسًا أفضل للصحة من الاعتماد على عنصر غذائي واحد.

وتجدر الإشارة إلى أن تصحيح النقص في أحد العناصر الغذائية قد يكون ضروريًا للحفاظ على الصحة ودعم وظائف الجهاز المناعي، إلا أن تناول كميات إضافية تتجاوز احتياجات الجسم لا يعني بالضرورة الحصول على مناعة أقوى، بل قد يؤدي الإفراط في بعض الفيتامينات والمعادن إلى آثار صحية غير مرغوبة. ويبرز في هذا السياق فيتامين C، الذي يرتبط في أذهان كثيرين بالوقاية من أمراض الشتاء نظرًا لوجوده في الحمضيات، كالبرتقال والليمون. فعلى الرغم من أهميته لوظائف المناعة، فإن الأدلة العلمية لا تثبت أن تناول مكملاته بانتظام يمنع الإصابة بالزكام لدى معظم أفراد المجتمع، وإن كان قد يسهم في تقليل مدة الأعراض بدرجة محدودة لدى بعض الأشخاص، كما أن تناوله بعد ظهور الأعراض لا يُظهر فائدة ثابتة في تقصير مدة المرض. لذلك، تبقى الأولوية للحصول على الاحتياجات اليومية من خلال غذاء متوازن ومتنوع، بدلًا من الاعتقاد بأن زيادة استهلاك الفيتامينات توفر حماية إضافية من العدوى.ومن المهم التمييز بين الزكام والإنفلونزا؛ فهما مرضان مختلفان تسببهما فيروسات مختلفة، ولا يمكن تعميم نتائج الدراسات المتعلقة بالزكام على الإنفلونزا. لذلك، فإن تناول البرتقال مفيد ضمن النظام الغذائي المتوازن، لكنه لا يُعد وسيلة مثبتة للوقاية من الإنفلونزا.

وتحتل بعض الأغذية التقليدية مكانة بارزة في الوصفات المنزلية خلال الشتاء، وهنا يشيع الاعتقاد بأن الثوم والزنجبيل والعسل تمنع الإصابة بالإنفلونزا أو تساعد على التخلص منها. ومع أن بعض هذه الأغذية يحتوي مركبات ذات خصائص بيولوجية تستحق البحث، لأن ذلك لا يكفي لإثبات فعاليتها في منع العدوى أو علاجها. يمكن أن يكون العسل مفيدًا في تخفيف السعال لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يقضي على فيروس الإنفلونزا ولا يمنع الإصابة به، كما لا يجوز إعطاؤه للأطفال دون عمر سنة. أما المشروبات الدافئة، فقد تساعد على تخفيف الشعور بالانزعاج وتوفير الراحة، لكنها ليست بديلًا عن الرعاية الطبية عند الحاجة. وهنا تكمن أهمية الوعي الغذائي؛ فليس المطلوب التخلي عن الأغذية التقليدية، بل الاستمتاع بها ضمن غذاء متوازن، دون التعامل معها باعتبارها علاجات مثبتة أو بدائل عن وسائل الوقاية الطبية.

وهنا نتساءل: ماذا نأكل خلال موسم الإنفلونزا؟ لا تحتاج التغذية الصحية إلى أطعمة باهظة الثمن أو أنظمة معقدة، فالوجبات اليومية يمكن أن تشمل الخضراوات والفواكه المتنوعة، والبقوليات مثل العدس والحمص، والحبوب الكاملة، والبيض أو الأسماك أو غيرها من مصادر البروتين، إلى جانب منتجات الألبان أو بدائلها المناسبة. كما أن شرب الماء بانتظام مهم للمحافظة على الترطيب، حتى عندما يقل الشعور بالعطش في الطقس البارد. وعند الإصابة بالإنفلونزا، يساعد تناول وجبات مناسبة وشرب السوائل والراحة على دعم التعافي. ويمكن اللجوء إلى وجبات صغيرة ومتكررة عند انخفاض الشهية، مع طلب المشورة الطبية عند ظهور أعراض شديدة أو متفاقمة، أو إذا كان المصاب من الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

وعليه فإن الوقاية لا تبدأ من المطبخ وحده، فعلى الرغم من أهمية الغذاء في دعم الصحة العامة، فإن الوقاية من الإنفلونزا تعتمد على إجراءات أخرى أكثر مباشرة. ويُعد التطعيم الموسمي، وفق التوصيات الصحية، من أهم وسائل الحد من خطر الإصابة الشديدة ومضاعفات الإنفلونزا، ولا سيما لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر. وتشمل الإجراءات الوقائية أيضًا غسل اليدين، وتحسين التهوية، وتغطية الفم والأنف عند السعال أو العطاس، والحد من مخالطة الآخرين عند المرض قدر الإمكان. فالتغذية المتوازنة تدعم وظائف الجسم، لكنها لا تحل محل التطعيم أو إجراءات الوقاية، ولا ينبغي الاعتماد عليها وحدها لتجنب العدوى.

في موسم الإنفلونزا، لا نحتاج إلى البحث عن طعام خارق بقدر حاجتنا إلى تبني عادات صحية تستند إلى العلم. فالغذاء المتنوع، والنوم الكافي، والنشاط البدني المناسب، والترطيب الجيد، والالتزام بالتوصيات الوقائية، عناصر متكاملة تسهم في المحافظة على الصحة. إن الاعتقاد بأن الليمون يمنع الإنفلونزا، أو أن الثوم يعالجها، أو أن الجرعات العالية من الفيتامينات تضمن الحماية، يحتاج إلى مراجعة في ضوء الأدلة العلمية. فالقيمة الحقيقية للغذاء تكمن في توفير العناصر التي يحتاجها الجسم ليعمل بصورة طبيعية، وليس في تقديم وعود بحماية مطلقة من الأمراض. وعليه يجب أن نخرج من باب الخرافة إلى الوعي الغذائي، لأن المائدة لا تمنحنا حصانة من كل عدوى، لكنها تستطيع أن تكون أساسًا لصحة أفضل. فالتغذية الواعية ليست وصفة سحرية للوقاية من الإنفلونزا، بل خطوة مهمة ضمن منظومة متكاملة من العادات الصحية والوقائية التي تجعل قراراتنا في موسم الشتاء أكثر وعيًا وأقرب إلى العلم


مدار الساعة ـ