حين تُنجز معاملة حكومية عبر «سند»، أو تحجز موعداً في مستشفى، أو تسجّل أبناءك في مدرسة، أو تشتري طعامك من متجر تحفظه ثلاجات تُدار عن بُعد، فأنت تعتمد على منظومة تقنية كاملة لا تراها: أجهزة وبرمجيات وبيانات، وعليها تقوم أيضاً فرص شبابنا في العمل. فمن يملك هذه المنظومة؟ ومن يستطيع إيقافها إن تعطّلت أو اختُرقت؟
وحجّتي في هذه السطور أن السيادة الرقمية لا تكتمل بامتلاك المنظومة فقط، بل أيضاً بالقدرة على التحكّم بها وإيقافها. والأردن يملك ما يلزم ليبني ذلك من اليوم الأول، وتبذل الدولة بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة جهوداً كبيرة في قيادة هذا الملف. ويبقى الأهم أن تكون الكفاءات الوطنية في قلب الحلول التقنية والابتكار، فهي التي تصنع هذه السيطرة وتحفظها، وإلى ذلك تهدف الخطوات الخمس التي أعرضها لاحقاً.سؤال الجلسةبالسؤال الأول افتتحتُ جلسة «سيادة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية»، التي كان من دواعي سروري أن أديرها في الأول من تشرين الثاني ضمن المنتدى الوطني للذكاء الاصطناعي «من التبنّي إلى الأثر»، الذي نظّمته جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات «إنتاج» ومبادرة SheTechs برعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن. أما السؤال الثاني فتفرضه أحداث هذه الأيام.وشارك فيها المهندس سنان كمال من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، والمهندسة دعاء التميمي من زين الأردن، والمهندس علي المجيني مؤسس مجموعة «تارجت» العُمانية، والمهندس مهند حبق من مركز العقبة الرقمي. وتناولنا السؤال طبقةً طبقة: الأجهزة والبنية التحتية، ثم البرمجيات والنماذج، ثم البيانات.وكانت رسالتي فيها أن القواعد تتغيّر مع كل تحوّل جيوسياسي، وأن السيادة هي ما يبقى في أيدينا حين تتغيّر.
ماذا نعني بالسيادة الرقميّة؟السيادة الرقمية ليست شعاراً، بل هي قدرتنا على أن نبني منظومتنا كاملةً ونشغّلها ونحميها: الأجهزة والمكوّنات التي تعمل عليها، والبرمجيات والنماذج التي تشغّلها، والبيانات التي تمرّ بها. وجوهرها توطين التكنولوجيا وتمكين الابتكار الأردني، لا توطين البيانات وحده، حتى تبقى هذه القدرة في أيدٍ أردنية مهما تغيّرت الظروف من حولنا.وخلال عملي في وزارة الخارجية وشؤون المغتربين على ملفات الدبلوماسية الرقمية والسيبرانية والبيانات والملفات الاقتصادية، رأيتُ كيف تغيّرت قواعد اللعبة منذ عام 2008، حين صار الفضاء الرقمي ساحةً للاقتصاد والأمن والسياسة معاً. وكانت رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أطال الله بعمره وحماه، لهذا الملف واضحة واستشرافية.واليوم تُعيد حكومات كثيرة أدواتها إلى الداخل: ففرنسا قرّرت أن يستخدم مليونان ونصف المليون موظف حكومي منصة فرنسية بدلاً من «زوم» و«تيمز»، وولاية شليسفيغ هولشتاين الألمانية نقلت نحو 80% من أجهزتها إلى برمجيات مفتوحة المصدر، والجيش النمساوي استبدل «مايكروسوفت أوفيس» ببرنامج مفتوح المصدر على 16 ألف جهاز. وفي الأسابيع الأخيرة، حجبت السويد «شات جي بي تي» و«كلود» عن أجهزة موظفي مكاتبها الحكومية.والسبب واحد: القواعد تتغيّر بتغيّر أولويات من يكتبها، والاعتماد الكامل على الآخرين يجعلنا نتأثّر بقرارات لا نشارك في صنعها. ولدينا في الأردن أساس متين نبني عليه: الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي وخطتها التنفيذية 2023–2027، وسياسة الحوسبة السحابية الحكومية لعام 2020 التي تُبقي البيانات الحكومية السرّية والحساسة داخل المملكة، وقانون حماية البيانات الشخصية لعام 2023 الذي لا يُجيز نقل البيانات الشخصية إلى الخارج إلا إلى دول توفّر حماية لا تقلّ عن حمايتنا.
من يملك زرّ الإيقاف؟وفيما أكتب هذه السطور، تتوالى الأخبار من منطقتنا عن تصعيد جديد ومساعٍ دبلوماسية لاحتوائه، وقد توجّه الناخبون في الولايات المتحدة إلى صناديق الاقتراع بعد حملات أُنفق فيها أكثر من 80 مليون دولار على إعلانات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. ورأينا في الأشهر الأخيرة كيف يمكن استهداف كل ما هو متصل، من السفن والطائرات إلى مراكز البيانات وثلاجات المتاجر.فمع اندلاع الحرب في المنطقة أواخر شباط الماضي، تعرّضت أكثر من 1100 سفينة في مياه الخليج لتشويش إشارات تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية خلال يوم واحد، وبعد أسابيع كانت أكثر من 700 رحلة جوية يومياً تتلقى في أجواء الخليج إشارات مضلِّلة عن مواقعها. وحين طالت ضربات المسيّرات مراكز بيانات سحابية في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين الشقيقتين في الأيام الأولى للحرب، نصحت الشركة المشغّلة عملاءها بنسخ بياناتهم احتياطياً والتفكير في نقلها إلى مناطق أخرى؛ فللسحابة عنوانٌ على الأرض. وفي تشرين الأول، اخترق مجهولون أنظمة التحكّم بالتبريد في مئات المتاجر الفرنسية، وحوّلوها إلى دورة إذابة متواصلة بحرارة 50 درجة مئوية، فتلفت الأغذية على رفوفها، ثم امتدّت الهجمات إلى دول أوروبية أخرى.وقبل أيام، سُرق نحو 6.3 مليار دولار من منصة «بينانس» للعملات الرقمية في أكبر سرقة من نوعها، وكان جهاز أحد مهندسيها من بين ما اختُرق قبل أن يبلغ المهاجمون نظاماً يملك صلاحية السحب. فماذا لو كان على مثل هذا الجهاز وكيلُ ذكاء اصطناعي يعمل بصلاحيات صاحبه كاملةً، فيقرأ بريده ويكتب الشيفرات البرمجية وينفّذ المعاملات نيابةً عنه، وقد تحمل أي رسالة يقرؤها تعليماتٍ خفية تدفعه إلى ما لم يُطلب منه؟ والسؤال ليس افتراضياً؛ ففي استطلاع نشرته شركة «سولت سكيوريتي» الشهر الماضي وشمل أكثر من 380 مختصاً، قال 86% منهم إن مؤسساتهم تشغّل وكيلاً واحداً على الأقل، في حين قال 17.5% فقط إنهم قادرون على إيقاف وكيل يتصرّف على نحو غير متوقّع بصورة تلقائية.أي أن التبنّي يسبق السيطرة. وهنا يكتسب عنوان المنتدى، «من التبنّي إلى الأثر»، معناه الكامل؛ فالطريق من التبنّي إلى الأثر يمرّ بالسيطرة. ولهذا أرى أن سؤال المرحلة المقبلة لا يقف عند «من يملك المنظومة التقنية؟»، بل يمتدّ إلى «من يملك زرّ الإيقاف؟»: من يحمل المفاتيح، ومن يحدّد الصلاحيات، ومن يستطيع إيقاف الوكيل أو الجهاز وعزله حين يقع الخطر.وفي الأردن، ولا سيما في القطاع الخاص، نستطيع أن نبني هذه السيطرة من اليوم الأول ونحن نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى خدماتنا الحكومية وحلول شركاتنا، مستندين إلى عمل المركز الوطني للأمن السيبراني، وإلى مديرية الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، التي تقودها المهندسة لمى عربيات، أول مديرة لهذا الملف في الحكومة الأردنية. والتوقيت مناسب؛ فالاستراتيجية الأردنية للتحول الرقمي وخطتها التنفيذية 2026–2028، التي أعدّتها الوزارة دعماً لرؤية التحديث الاقتصادي وخارطة طريق تحديث القطاع العام، تتضمّن وكلاء ذكاء اصطناعي لدعم المستخدمين، وتوسيع السحابة الحكومية الخاصة، وإطاراً وطنياً لحوكمة البيانات. والمنع وحده لا يصنع السيطرة؛ ما يصنعها وكلاء يعملون في بيئات معتمدة للبيانات التي يتعاملون معها، ومفاتيح تبقى خارج متناولهم، وموافقة بشرية على كل إجراء عالي الأثر، وسجلات لا يستطيع الوكيل تعديلها تُحفظ داخل المملكة، وزرّ إيقاف نختبره قبل أن نحتاجه، وأدوات آمنة ومعتمدة للموظفين في القطاعين العام والخاص حتى لا يربطوا حساباتهم الشخصية بأنظمة حساسة.والأمر نفسه في ميناء العقبة، منفذنا البحري الوحيد، وفي مطاراتنا وسلاسل التبريد التي تحفظ غذاءنا ودواءنا: أن نعرف ما المتصل بالإنترنت، ونحدّث ما يمكن تحديثه، ونستبدل ما انتهى دعمه، وأن يكون المورّدون وموزّعوهم المحليون شركاء في سدّ هذه الثغرات، يُثبتون ذلك بالتجربة لا بالوعود. وهذه فرصة لشركاتنا وشبابنا قبل أن تكون عبئاً؛ فالفحص والمراقبة والاستجابة للحوادث مهاراتٌ تُبنى هنا، وتوطينها توطينٌ للتكنولوجيا بمعناه الحقيقي.
المواهب موجودة وتحتاج من يكتشفهاوما يطمئنني أن المواهب موجودة. ففي الجلسة الحوارية التي أعقبت افتتاح المنتدى مباشرة، تحدّثت صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن، راعية المنتدى ورئيسة الجمعية العلمية الملكية، عن المهندس أمجد مسعد، مؤسس شركة «ريبلت» (Replit) ورئيسها التنفيذي؛ فحين اكتشفت جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا أنه دخل إلى نظامها، أصغت إليه بتفهّم، واستفادت من قدرته في تحصين أنظمتها، ولم تؤذِ مستقبله.وذكّرت سموّها بأن الجامعة تدعم أبحاث طلبة البكالوريوس منذ زمن طويل، في وقت لا يُنظر فيه إليهم عالمياً على أنهم أهلٌ لهذا الدعم المبكر. واليوم يعمل المهندس أمجد مع الحكومة الأردنية وشركاء كثيرين، ويردّ للأردن الكثير، ويحمل أول دكتوراه فخرية تمنحها الجامعة.وأكّدت سموّها أن كثيرين مثله يحتاجون فقط إلى الاحتواء، وإلى من يكتشف قصصهم، وإلى بيئة تمكّنهم من الازدهار.
الذكاء الاصطناعي ملف دبلوماسيومن هذه الشركة تبدأ تجربتي الشخصية؛ فقد بنيتُ النموذج التطبيقي لأطروحتي في الدكتوراه المهنية في أمن المعلومات على منصة «ريبلت»، لأنها تتيح لمن لا يملكون موارد تقنية كبيرة أن يجرّبوا ويبنوا، وهي خطوة تسبق امتلاك أدواتنا السيادية. والشكر للمهندس أمجد.وفي الثاني والعشرين من تشرين الأول، أعلنت «ريبلت» توسيع عملها مع الحكومات، وعيّنت السيد مايكل غرينوالد رئيساً للشؤون المؤسسية، وهو أول ملحق لوزارة الخزانة الأمريكية في قطر والكويت، وقاد في «أمازون ويب سيرفيسز» مبادرات تبنّي الحكومات للذكاء الاصطناعي.ويؤكّد هذا التعيين أن الذكاء الاصطناعي أصبح ملفاً دبلوماسياً لا تقنياً فحسب، وأن شركاته باتت تتعامل مباشرة مع الحكومات. وهذا الأسبوع، نبّه المهندس أمجد مسعد إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي العاملين على أجهزة الموظفين باتوا خطراً أمنياً على منظومات الشركات والحكومات بأكملها، وهو تحذير أكرّره منذ عامين، ويسعدني أن يصدر اليوم بهذا الوضوح عن أحد أبرز روّاد القطاع. ويعني ذلك كله أن نأتي إلى الطاولة برؤية أردنية واضحة، تُبنى في المحافظات كما تُبنى في عمّان.وقد حرصتُ على ذلك في عملي في سفارتَي المملكة في لندن ومسقط؛ فمن صميم مهمتي، دبلوماسيةً معنيّةً بالشؤون الرقمية والدبلوماسية السيبرانية، أن يكون للأردن حضورٌ لافت في أوساط التكنولوجيا هناك، وأن أفتح الباب أمام شركات ومجموعات متميّزة لتؤسّس أعمالها في الأردن وتوفّر فرص عمل لشبابنا. وما كان لذلك أن يُثمر لولا أن تابعت معي جمعية «إنتاج» والسيدة دانا درويش، مديرة برنامج «جوردان سورس» في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، كل شركة ومجموعة وصلتُها بهما. وآخر هذه الثمار مكتب مجموعة «تارجت» العُمانية في الأردن، الذي افتتحناه في الرابع من تشرين الثاني، وهي المجموعة التي أسّسها المهندس علي المجيني، أحد المتحدثين في جلستنا. ومن نِعَم الله علينا أن رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، أطال الله بعمره وحماه، وقيادته وعمله الدؤوب، تفتح هذه الأبواب أمامنا جميعاً لنعمل بما فيه خير الأردن والإنسانية، إن شاء الله.
خارج عمّان: العقبة وإربد والكركومن أكثر ما يسعدني أن المشهد الرقمي في الأردن لم يعد محصوراً في عمّان. ففي العقبة افتتح سموّ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد مركز العقبة الرقمي في تشرين الأول 2025، ومنه انطلقت في أيلول الماضي منصة Klstrai لحوسبة الذكاء الاصطناعي. وفي إربد افتتح معالي وزير الاقتصاد الرقمي والريادة سامي سميرات، في آب الماضي، «منصة الشمال» التكنولوجية ضمن مشروع «الشباب والتكنولوجيا والوظائف»، لتدريب الشباب على المهارات الرقمية ودعم الريادة.وفي العقبة أيضاً، وقّع مكتب التصميم والتطوير الأردني (JODDB) خلال معرض ومؤتمر قوات العمليات الخاصة «سوفكس 2026»، من 27 إلى 29 تشرين الأول، 15 اتفاقية في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدفاعية، بعضها في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية. وشاركت الجامعة الألمانية الأردنية بمشاريعها البحثية في جناح الابتكار التابع للمكتب، في مثال على تكامل الصناعة والجامعات.وفي الأسبوع نفسه الذي فُجع فيه الأردن بالهجوم الإرهابي على جنازة في كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك، أعلنت «فازا» (Phaza)، بمبادرة من المهندس عامر الطراونة، إطلاق أول أكاديمية للذكاء الاصطناعي في محافظة الكرك. وجاء في إعلانها: «نريد أن نواجه الفكر المتطرف بالعلم، واليأس بالأمل، والبطالة بالمعرفة والفرص».وهذا التوقيت يقول الكثير: فالأردن يردّ على الإرهاب ببناء الأمل، والمواهب التي تحدّثت عنها سموّ الأميرة سمية موجودة في كل محافظة، تنتظر من يفتح لها الباب. رحم الله شهداء الكرك، وشفى المصابين، وحفظ الأردن وأهله.
من البيانات إلى خطة عملوفي الثامن والعشرين من تشرين الأول، وجّه سموّ ولي العهد، خلال ترؤّسه اجتماع المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، بإطلاق مبادرة وطنية للبيانات الرقمية تشمل جمعها وجودتها وتدفّقها واستخدامها المسؤول. وفكرة ربط البيانات ليست جديدة، لكن ما يميّز هذه المرحلة أن التوافق حولها بات حاضراً لدى الحكومة والقطاع الخاص والجامعات.فالبيانات هي القاسم المشترك بين كل ما سبق: مراكز البيانات واتفاقيات التكنولوجيا في العقبة، ومنصات التدريب في إربد، وأكاديمية الكرك، والخدمات التي يستخدمها المواطن عبر «سند». وحين تُجمع وتُنظَّم وتتدفّق بمسؤولية، تتكامل الجهود بدل أن تتكرّر، وتتحوّل إلى خدمات يلمسها الأردني في حياته اليومية.وفي 31 تشرين الأول، وقّعت معالي وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان مع البنك الدولي منحة بقيمة 4.2 مليون دولار، تحضيراً لتمويل إضافي لمشروع «الشباب والتكنولوجيا والوظائف» الذي تنفّذه وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وانطلقت ضمنه «منصة الشمال» في إربد. وتأتي المنحة بعد نتائج تُحسب للمشروع وللوزارة؛ فبحسب بيانات البنك الدولي، حُوّلت 178 خدمة حكومية جديدة إلى خدمات رقمية متجاوزةً هدفاً من 100 خدمة، وسُجّلت أكثر من 52 مليون معاملة عبر الخدمات الحكومية الرقمية، أي أكثر من عشرة أضعاف المستهدف، وارتفعت نسبة خدمات الدفع الحكومية المُمكّنة رقمياً من 30% إلى أكثر من 80%. وخلف هذه النتائج شركاء في البنك الدولي، منهم سعادة السيد سامر قبعين، المستشار الأول في المجموعة، الذي لا يدّخر جهداً في دعم منظومة التكنولوجيا والريادة في الأردن.وتموّل المنحة تطوير حلول ذكاء اصطناعي واختبارها في قطاعات حكومية مختارة وعبر «سند»، بعضها ينفّذ مهاماً وإجراءات متعددة كالوكلاء الذين تحدّثتُ عنهم، إلى جانب التحضير لمركز وطني للتميّز في الذكاء الاصطناعي يجمع الخبرات والبيانات والبحث والتطوير. وأفضل استثمار لها ألّا نكتفي بإضافة تطبيقات جديدة إلى «سند»، بل أن نبني بها ما يبقى لنا: أن تُكتب السيطرة وزرّ الإيقاف في مواصفاتها الفنية من البداية، وأن تقوم على المبادرة الوطنية للبيانات الرقمية، وأن يصبح مركز التميّز بيتاً للشركات والجامعات والمواهب الأردنية في عمّان والمحافظات.
ومن هنا أرى خمس خطوات تحوّل ذلك إلى واقع:1. البيانات أولاً: أن تكون المبادرة الوطنية للبيانات الرقمية الإطار الذي يربط الجهات ببعضها، فلا تُبنى المنصة نفسها مرتين أو أكثر.2. توطين التكنولوجيا في الطبقات كلها: الأجهزة والقدرات الحاسوبية، والبرمجيات والنماذج العربية، والبيانات، بالبناء على ما بدأ في العقبة وإربد والكرك.3. شروط واضحة مع الشركاء العالميين: الشفافية، والفحص والتشغيل هنا، وأن تبقى مفاتيح التحكّم وزرّ الإيقاف في أيدينا.4. الاستثمار المبكر في المواهب: كما فعلت جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا مع المهندس أمجد، وفي كل محافظة.5. طاولة واحدة: تجمع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني، ليبني كلٌّ على ما ينجزه الآخر.
المقياس بعد خمسة أعواموختمتُ الجلسة بأن السيادة ليست مسؤولية جهة واحدة؛ فالنهج الشامل للسيادة الرقمية أن يعمل القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني للهدف نفسه، وبالفهم نفسه للتهديدات والفرص.وبعد خمسة أعوام، لن يكون المقياس كم استهلك الأردن من الذكاء الاصطناعي، بل كم يصنع ويملك من منظومته، وكم بقي له من قيمتها، وكم تحسّنت بفضلها حياة كل أردني. فإن سُئلنا يومها: من يملك منظومتنا؟ ومن يستطيع إيقافها؟ فأرجو أن يكون الجواب: نحن. والحوار لا ينتهي هنا، وأتطلّع إلى استكماله في جلسات «إنتاج» الشهرية لمجالسها القطاعية، ومع كل الجهات الرسمية والخاصة المعنية بهذا الملف.وأرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لصاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن على رعايتها الكريمة للمنتدى. وأشكر زملائي في الجلسة، المهندس سنان والمهندسة دعاء والمهندس علي والمهندس مهند، على حوار أغنى السؤال وفتح له أبواباً جديدة.والشكر لأسرة «إنتاج» على تنظيم هذا المنتدى، وعلى ما تفعله منذ خمسة وعشرين عاماً في جمع القطاع العام والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية على طاولة واحدة ووصلهم بالعالم العربي وخارجه: السيد فادي قطيشات رئيس مجلس الإدارة، والسيدة مها بهو نائبة الرئيس، والمهندس نضال البيطار الرئيس التنفيذي، والسيدة زين عصفور رئيسة وحدة تمكين المرأة، ومبادرة SheTechs، وكل نشامى «إنتاج».
