أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خطاب العرش: قيادة تبني الثقة وأردن ينهض بالعزيمة


أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال

خطاب العرش: قيادة تبني الثقة وأردن ينهض بالعزيمة

أ.د. حسن الدعجة
أ.د. حسن الدعجة
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

حمل خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة أول من أمس، الثاني من تشرين الثاني 2026، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، رؤية وطنية تجمع بين قوة الموقف وعمق المسؤولية ودفء العلاقة مع الأردنيين. وجاء الخطاب ليجدد الثقة بقدرة الأردن على مواصلة مسيرته، مستندًا إلى قيادة حكيمة وشعب وفي ومؤسسات راسخة. وفي رسائله تتجلى صورة الدولة التي تعرف أولوياتها، وتحمي ثوابتها، وتتقدم بإرادة واثقة نحو مستقبل يكون فيه المواطن محور الاهتمام وغاية الإنجاز. كما جسّد الخطاب روح القيادة الهاشمية التي تستمد قوتها من قربها من الناس، وتصوغ من تطلعاتهم برنامجًا للعمل والعطاء، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويرسخ الأمل بمستقبل أكثر ازدهارًا ومنعة وعدالة للأجيال الأردنية القادمة.

كان استهلال الخطاب بالحديث عن شهداء الكرك والتصدي للإرهاب تعبيرًا عن وفاء القيادة لتضحيات أبنائها، وعن الحزم في حماية أمن الوطن ووحدته. واقترن ذلك بتقدير ملكي عميق للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وبالثقة بوعي الأردنيين وحكمتهم وتماسكهم في المحن. ومن هنا، يمكن قراءة الرسالة الملكية باعتبارها تعزيزًا للطمأنينة الوطنية؛ فالدولة تستمد من تلاحم شعبها قوة إضافية، والمجتمع يجد في قيادته ومؤسساته سندًا يحفظ أمنه وكرامته. وهذه العلاقة تمنح الأردن قدرة متجددة على تحويل الاختبارات الصعبة إلى مناسبات للتكاتف وترسيخ الانتماء.

وتكتسب الثقة الملكية بالأردنيين قيمة تربوية ووطنية عميقة؛ إذ تضع المواطن شريكًا في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل. فالوعي العام رصيد ثمين، والكلمة المسؤولة إسهام في صون المجتمع، والتعاضد بين أبناء الوطن تعبير عملي عن أصالة الهوية الأردنية. وفي تقديري، فإن أجمل ما تمنحه هذه الثقة هو الشعور بأن لكل أردني دورًا، وأن خدمة الوطن تتسع لجهد المعلم والعامل والطبيب والمزارع والطالب، كما تتسع لكل مبادرة صادقة تحمل الخير للناس.

وفي الشأن العربي، أكد جلالته استمرار الأردن في الدفاع عن قضايا أمته، وربط أمن المنطقة واستقرارها بتلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، مع إبراز خطورة استمرار المأساة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس. ويعكس هذا الموقف أصالة السياسة الأردنية وقوتها الأخلاقية، ويمنح الدبلوماسية الوطنية وضوحًا يعزز صدقيتها. فالثبات على الحقوق يشكل أساسًا راسخًا لبناء السلام، ويؤكد أن الأردن يحمل رسالته العربية بثقة ومسؤولية، محافظًا على مكانته صوتًا للعقل والعدل وصون الكرامة الإنسانية. وتتجلى في هذه الرؤية حكمة القيادة الهاشمية التي تجمع بين الوفاء للمبادئ والسعي الدؤوب لإرساء السلام العادل، وتعزيز التضامن العربي، وبناء موقف مشترك يحمي مصالح الشعوب، ويفتح أمام المنطقة آفاقًا أرحب للأمن والاستقرار والتعاون والتنمية وصناعة مستقبل أفضل.

وعلى المستوى المؤسسي، أبرز الخطاب مكانة مجلس الأمة ودوره في حماية المصلحة العامة والرقابة على الأداء الحكومي، وأكد قيمة اختلاف الرأي حين يجتمع أصحابه على خدمة الأردن. وتفتح هذه الرؤية أفقًا رحبًا أمام ممارسة برلمانية مثمرة، ترتقي فيها المناقشة إلى مستوى احتياجات الناس، ويتحول التنوع إلى مصدر للأفكار والحلول. ومن شأن استلهامها أن يعزز التعاون بين المؤسسات، ويعمق احترام المسؤولية العامة، ويجعل العمل السياسي أكثر اتصالًا بتطلعات المواطنين وآمالهم المشروعة في التقدم.

وكان تأكيد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تتصدر القرار، وأن تُقاس التنمية بأثرها في معيشته وتعليمه وعلاجه وفرصه، من أكثر رسائل الخطاب قربًا إلى وجدان الناس. فهذا التصور يمنح التنمية معناها الإنساني الواضح، ويضع أمام المؤسسات معيارًا عمليًا للنجاح. ويمكن ترجمة هذه الروح إلى خدمات أجود، وفرص أوسع للشباب، ومبادرات إنتاجية في المحافظات، واهتمام متواصل بالأسر. وكل تقدم يلمسه المواطن في حياته اليومية يزيد ثقته بالمستقبل، ويعزز إحساسه بأنه شريك في ثمار البناء الوطني.

وجاء التوجيه بتسريع المشاريع الكبرى، والاهتمام بالأمن المائي واستدامة الموارد وحقوق الأجيال المقبلة، ليؤكد عمق النظرة الملكية إلى متطلبات المستقبل. فالمياه أساس للحياة والإنتاج واستقرار المجتمعات، والاستثمار فيها استثمار في قدرة الوطن على النمو. ومن منظور إستراتيجي، يتيح الجمع بين المشاريع الاقتصادية وحماية الموارد بناء تنمية أكثر استدامة، ويشجع التخطيط المبكر وتكامل الجهود. كما يمنح المؤسسات اتجاهًا واضحًا للعمل، ويجعل الإنجاز المتواصل مسؤولية مشتركة تتصل بحاضر الأردنيين ومستقبل أبنائهم على السواء.

وفي تأكيده سيادة القانون وخدمة الناس ورفض إساءة استخدام المنصب، قدم الخطاب أساسًا متينًا لتعزيز العدالة والثقة بالمؤسسات. وتنبع أهمية هذه الرسالة من أثرها المباشر في شعور المواطن بالإنصاف، وفي دعم الموظف المخلص والمسؤول الكفؤ. فالإدارة التي تستلهم هذه القيم تستطيع أن تجعل كل معاملة فرصة لإظهار احترام الإنسان، وكل قرار مناسبة لحماية المصلحة العامة. ومن هنا تتعزز ثقافة الإنجاز والنزاهة، ويصبح الالتزام بالقانون قوة دافعة للتنمية والاستقرار وتكافؤ الفرص.

إن القراءة الجامعة لخطاب العرش تكشف عن قيادة تجمع الحزم بالحكمة، وتصل أمن الوطن بكرامة مواطنيه، وتربط قوة المؤسسات بثقة الناس بها. وهذه رؤية تستحق أن تتحول إلى طاقة عمل في كل موقع، وأن تجد صداها في المبادرة والإتقان والتعاون. ويملك الأردن، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، رصيدًا عظيمًا من الإرادة والانتماء والخبرة؛ وهو رصيد يتجدد كلما التقت الرؤية الواضحة بالعمل المخلص. وبذلك يحمل الخطاب رسالة أمل راسخة: إن مستقبل الأردن يُبنى بثقة أبنائه، وإن عزة الوطن ومسيرته المزدهرة مسؤولية ينهض بها الجميع بمحبة واعتزاز.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ