مدار الساعة -بعد نحو 90 عاماً من العثور عليه للمرة الأولى، نجح علماء أخيراً في فك لغز كائن صغير غامض ظل محفوظاً في أحد المتاحف الأسترالية من دون تحديد هويته، ليكتشفوا أنه ينتمي إلى نوع جديد من الحريش، يحمل خصائص تشريحية غير مألوفة، ويعيش في بيئات أكثر جفافاً مما كان العلماء يتوقعون لأفراد عائلته.
وينتمي إلى عائلة من عديدات الأرجل، وهي مجموعة من الكائنات التي ترتبط عادة بالموائل الرطبة. غير أن المفاجأة تكمن في العثور على النوع الجديد في منطقة بجنوب أستراليا لا يتجاوز معدل هطول الأمطار السنوي فيها 400 إلى 500 مليمتر، ما يجعله أول فرد معروف من هذه العائلة يُسجل في منطقة أسترالية بهذا القدر من الجفاف.ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على تحديد نوع جديد، بل تمتد إلى كشف سمة مجهرية غير معتادة في تركيب أرجله، قد تساعد العلماء على فهم تنوع هذه الكائنات وتكيفها مع البيئات المختلفة.بداية القصةتعود بداية القصة إلى عام 1936، عندما جُمعت عينة من هذا الكائن في شبه جزيرة يورك السفلى بجنوب أستراليا، ثم أُودعت في متحف جنوب أستراليا، حيث ظلت محفوظة من دون تصنيف دقيق لعقود طويلة.وفي عام 2015، عثر الباحث الألماني بيتر ديكر على العينة أثناء فحصه مجموعة من العينات المتحفية المستعارة، في إطار أبحاث الدكتوراه التي كان يجريها حول عائلة أخرى من عديدات الأرجل.وسرعان ما أدرك ديكر أن الكائن ينتمي إلى عائلة عديدي الارجل فأرسل صوراً مكبرة لخصائصه المجهرية إلى روبرت ميسيبوف، المتخصص الأسترالي في دراسة عديدات الأرجل، الذي أدرك أهمية العينة، باعتبارها أول دليل على وجود أفراد هذه العائلة في المناطق الجافة من جنوب أستراليا.وحاول ميسيبوف العثور على عينات أخرى في الموقع الأصلي خلال بعثتين ميدانيتين عامي 2016 و2017، لكن محاولاته لم تسفر عن نتائج.ومن بين أبرز ما يميز النوع الجديد سمة دقيقة لا يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، تتعلق ببنية الأرجل لدى الذكور البالغة.ولدى النوع المكتشف حديثاً، تحولت هذه الشعيرة إلى بروز قصير غير حاد، وهو اختلاف تشريحي لافت ألهم الباحثين اختيار اسم جنس جديد يشير معناه إلى "الشعيرة المتقزمة".تطور مثيروفي تطور مثير، اتضح لاحقاً أن عينات أخرى من النوع نفسه كانت قد جُمعت قبل سنوات من دون أن يدرك الباحثون أهميتها.ففي عام 2010، كان عالما العناكب مايكل ريكس ودانيلو هارمز يجريان مسحاً ميدانياً للعناكب واللافقاريات التي تعيش بين أوراق الأشجار المتساقطة في جزيرة الكنغر، الواقعة قبالة الساحل الجنوبي لأستراليا، عندما عثرا على نوع لافت من العناكب القاتلة، إلى جانب مجموعة من عديدات الأرجل التي لم تُحدد هويتها.وأُودعت تلك العينات في متحف أستراليا الغربية، حيث ظلت محفوظة من دون تصنيف، بالتزامن مع تعرض الجزيرة لحرائق غابات مدمرة عام 2020، ألحقت أضراراً واسعة بموائلها الطبيعية، وأثارت مخاوف بشأن مستقبل بعض أنواع الكائنات النادرة فيها.وخلال مسح ميداني لاحق عام 2021، عثرت عالمة العناكب جيسيكا مارش على العنكبوت النادر في مواقع إضافية، كما جمعت عينات أخرى من اللافقاريات، تضمنت الحريش الغامض نفسه.وفي مطلع عام 2026، عثر ميسيبوف على سجل هذه العينات في قاعدة بيانات متحف أستراليا الغربية، وتواصل مع أمين المتحف مارك هارفي. وأكدت الصور المكبرة التي أرسلها هارفي أن العينات المكتشفة في جزيرة الكنغر تعود إلى النوع نفسه الذي جُمع للمرة الأولى عام 1936.عمليات بحثوبعد التوصل إلى هذا التطابق، توجه ميسيبوف إلى جزيرة الكنغر لإجراء عمليات بحث ميدانية جديدة، وتمكن أخيراً من العثور على أفراد حية من النوع المكتشف حديثاً بالقرب من المواقع التي سُجل فيها سابقاً.وقال ميسيبوف تعليقاً على نجاح المهمة: "المحاولة الثالثة كانت محظوظة!»، موضحاً أنه عثر هذا العام على الحريش الجديد حياً وبصحة جيدة في مواقع رطبة نسبياً، لا تبعد كثيراً عن الأماكن التي جُمعت منها العينات عامي 2010 و2021".وجمع الباحث عدداً من العينات الحية بهدف استكمال الوصف العلمي للنوع الجديد، وإجراء دراسات وراثية مستقبلية تساعد على فهم تاريخه التطوري وخصائصه البيولوجية.وتوجد العينات التي جُمعت في أعوام 1936 و2021 و2026 حالياً في متحف جنوب أستراليا.ورغم نجاح العلماء في تأكيد وجود النوع الجديد في جزيرة الكنغر، لا يزال مصيره في موقعه الأصلي بشبه جزيرة يورك غير معروف، خصوصاً أن المنطقة أكثر جفافاً بكثير من الموائل التي عُثر عليه فيها في شمال غربي الجزيرة.ويطرح ميسيبوف فرضية مثيرة لتفسير قدرة هذا الكائن على البقاء في تلك الظروف، تتمثل في احتمالية لجوئه إلى فجوات صغيرة داخل الصخور الكلسية الموجودة أسفل سطح الأرض، حيث قد توفر له بيئة أكثر رطوبة تحميه من الجفاف.وأوضح أن الصخور الكلسية في الموقع الأصلي متشققة في المناطق المكشوفة، ما قد يتيح وجود تجاويف صغيرة يعيش فيها الكائن، باعتباره بقايا لمجموعات كانت تنتشر خلال فترات أكثر رطوبة شهدتها أستراليا في الماضي.ويرى الباحث أن هذه الفرضية قد تفسر فشل محاولات العثور عليه خلال عامي 2016 و2017، وكذلك قدرته المحتملة على الاستمرار في منطقة ذات مناخ جاف.لغز استمر 90 عاماً: اكتشاف نوع جديد من الحريش في أستراليا
مدار الساعة ـ











