أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خطاب الملك... معادلة ردع تُسقط رهانات الإرهاب والانقسام


رشدي القرالة
صحفي أردني

خطاب الملك... معادلة ردع تُسقط رهانات الإرهاب والانقسام

رشدي القرالة
رشدي القرالة
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

"سنكون بالمرصاد ليد الإرهاب"، و"لن نسمح للإرهابيين الخوارج بأن يمسوا أمن هذا الوطن ووحدته"، و" الإرهابيون خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة وخانوا هذه الأسرة، فلا مكان لهم بيننا لا اليوم ولا غداً"... بهذه الرسائل استهل جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام مجلس الأمة، واضعاً ثلاثية الحسم التي تختزل عقيدة الدولة في الردع والمواجهة، وترسم حدوداً واضحة لا تحتمل التأويل أو الالتباس، رسائل تتجاوز الاستجابة لتهديد أمني إلى تثبيت معادلة الدولة في مواجهة كل من يحاول فرض معادلاته عليها، وتؤكد أن الأردن يمتلك إرادة حماية أمنه، وصون استقراره، وإحباط أي محاولة لاستهداف وحدته الوطنية أو المساس بصلابة جبهته الداخلية.

في خطاب الملك، ما هو أبعد من التحذير من الإرهاب، فهناك تحديد واضح لطبيعة المواجهة وأبعادها وأهدافها، وحين يشير جلالته إلى أن الإرهاب يسعى إلى اختبار صلابة الدولة وعزيمة شعبها، فإنه يضع يده على جوهر الخطر الذي يتجاوز العملية الإرهابية ذاتها، ليطال هيبة المؤسسات وتماسك المجتمع وثقة الأردنيين بدولتهم، من هنا، تكتسب عبارة "سنكون بالمرصاد....الخ" دلالتها بوصفها لغة ردع تعكس وضوح الإرادة وقدرة الدولة على حماية مجالها الوطني، وتؤكد أن أمن الأردن ليس ساحة للاختبار، ولا حدوده ومؤسساته مجال لاستغلال الفراغ أو فرض الوقائع، فالدولة تحدد موقفها وحدودها وأدواتها بإرادة واضحة وحسم مسؤول.

أما رسالة "لن نسمح...الخ"، فتحمل دلالة تتجاوز حدود التحذير إلى إعلان موقف سيادي حاسم، مفاده أن أمن الدولة واستقرارها ليسا موضع مساومة، وأن مواجهة الإرهاب مسؤولية وطنية لا تقبل التجزئة أو التهاون، وهي في الوقت ذاته، رسالة طمأنة للأردنيين بأن الدولة تدرك طبيعة التهديد، وتمتلك إرادة التصدي له، وأن الإرهاب عدو يستهدف الوطن بأسره ولا يستثني أحداً من مخاطره.. إنها دعوة واضحة إلى وحدة الموقف الوطني، وتماسك الجبهة الداخلية، وإدراك أن حماية الأردن مسؤولية مشتركة، وأن صيانة أمنه تتطلب وعياً مجتمعياً يوازي جاهزية مؤسساته.

وتأتي الرسالة الثالثة "لا مكان لهم بيننا لا اليوم ولا غداً"، لتضع المواجهة في بعدها الوطني والأخلاقي الأكثر عمقاً، فحين يؤكد الملك أن مرتكبي العمليات الإرهابية خرجوا عن العائلة الأردنية وخانوها، فإنه يربط الانتماء الوطني بالمسؤولية والسلوك، ويؤكد أن المواطنة التزام بقيم الوطن وحرمة دم أبنائه وأمن مجتمعه، فمن يوجّه سلاحه إلى أبناء وطنه ينقض أسس العيش الوطني المشترك، ويضع نفسه في مواجهة القيم التي يقوم عليها المجتمع الأردني، وهنا تتجاوز الرسالة توصيف الجريمة إلى تأكيد بأن الإرهاب لا يمثل الأردنيين، ولا يجد له مكاناً في نسيجهم الوطني.

وفي تأكيد الملك بأن قوة الدولة وارتباطها بشعبها، وقدرة الأردنيين على مواجهة المحن بمزيد من التماسك والبصيرة والحكمة، فهذا تحديد لأحد أهم مرتكزات الأمن الوطني، فالإرهاب قد يمتلك السلاح، لكنه يعجز عن بلوغ أهدافه إذا أخفق في إحداث الانقسام، وإذا بقي المجتمع عصياً على التحريض والفتنة، وإذا لم تتحول الجريمة إلى شرخ في الثقة بين الأردنيين... هنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب بأن مواجهة الإرهاب تمتد إلى إفشال أهدافه في ضرب التماسك المجتمعي وزعزعة الثقة بمؤسسات الدولة.

وضع الملك في خطابه معياراً أكثر عمقاً لقوة الأردن... بأن القوة لا تُقاس بغياب محاولات الاستهداف، وإنما بقدرة الدولة على إحباط غاياتها، والحفاظ على سيادة قرارها، وصون تماسك مجتمعها، كما أن تضحيات الشهداء يجب أن تتحول إلى وعي وطني ومسؤولية جماعية تعزز منعة الدولة وتحمي مستقبلها.

في الخطاب رسالة ليست للإرهاب وحده، أيضا تأكيد للأردنيين بأن وحدتهم ركيزة أصيلة في منظومة الأمن الوطني، وأن أمنهم يتصل بهويتهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم، فالمعركة مع الإرهاب لا تُحسم بالجاهزية الأمنية وحدها، وإنما أيضاً بوعي المجتمع، وصلابة مؤسسات الدولة، ورفض كل أشكال التحريض والانقسام.

وضع جلالة الملك معادلة واضحة للمواجهة.. الإرهاب لن يفرض إيقاعه على الدولة، ولن ينتزع قرارها، ولن يجد في المجتمع الأردني منفذاً إلى الانقسام، فالأردن لا يحمي حدوده ومؤسساته فحسب، وأيضاً يحمي تماسكه الوطني وهويته وسيادته، وتلك هي معادلة الردع الحقيقية "دولة تمتلك إرادة المواجهة، ومؤسسات تحمي أمنها، ومجتمع يدرك أن وحدته ركيزة أساسية في أمن الأردن ومستقبله.

مدار الساعة ـ