أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خطاب العرش السامي.. رؤية ملكية ترسّخ ثوابت الدولة وترسم ملامح المستقبل

مدار الساعة,مناسبات أردنية,الملك عبدالله الثاني,الحسين بن عبدالله الثاني,مجلس الأمة,جامعة جدارا,سيادة القانون
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتب الأستاذ الدكتور حابس الزبون (رئيس جامعة جدارا) -

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان، لا تُقاس أهمية الخطابات السياسية بما تتضمنه من مواقف وتوجيهات فحسب، بل بما تحمله من رؤى استراتيجية قادرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق مقتضيات المرحلة. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليشكل وثيقة وطنية عميقة في مضامينها، واضحة في رسائلها، حاسمة في مواقفها، تستند إلى ثوابت الدولة الأردنية، وتستشرف آفاق المستقبل بثقة ومسؤولية.

ولعل القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف عن رؤية ملكية متكاملة لمفهوم الدولة الحديثة؛ دولة لا تكتفي بحماية حدودها وصون سيادتها، بل تعمل على تعزيز مناعتها الداخلية، وترسيخ سيادة القانون، وتطوير مؤسساتها، وتوظيف مواردها، وتمكين الإنسان باعتباره الغاية الأساسية للتنمية ومحركها الحقيقي.

لقد كان الخطاب، في جوهره، تأكيدًا على أن قوة الأردن لا تنبع من قدرته على مواجهة التحديات وحدها، وإنما من قدرته على تحويل تلك التحديات إلى فرص لتعزيز وحدته الوطنية، وترسيخ استقراره، ومواصلة مسيرته نحو التحديث والإنجاز.

الأمن الوطني... حين يصبح التماسك المجتمعي خط الدفاع الأول

استهل جلالة الملك خطابه باستحضار تضحيات شهداء الوطن الذين ارتقوا دفاعًا عن أمن الأردن واستقراره، في رسالة حملت أبعادًا إنسانية ووطنية عميقة، وأكدت أن دماء الشهداء ليست مجرد تضحيات تُستذكر في المناسبات، وإنما أمانة وطنية تفرض على الجميع مسؤولية صون الدولة وحماية منجزاتها.

وحين أكد جلالته أن الأردن سيبقى عصيًا على كل معتدٍ غاشم، فإن هذه الرسالة لم تكن تعبيرًا عن موقف أمني حازم فحسب، بل إعلانًا عن فلسفة راسخة في إدارة الدولة، قوامها أن أمن الوطن ووحدته لا يقبلان المساومة أو التهاون.

وقد استوقفتني في هذا السياق عبارة جلالته: «فقوة الأردن في شعب إن اشتدت الخطوب، ازداد تماسكًا وبصيرة وحكمة».

إنها عبارة تختزل أحد أهم أسرار صمود الدولة الأردنية؛ فالقوة الحقيقية للأوطان لا تقاس فقط بإمكاناتها العسكرية والأمنية، على أهميتها، وإنما كذلك بوعي شعوبها، وصلابة نسيجها الاجتماعي، وثقتها بمؤسساتها، وقدرتها على تجاوز المحن دون أن تفقد توازنها أو بوصلتها الوطنية.

ومن وجهة نظري، فإن هذه الرسالة تكتسب أهمية مضاعفة في عصر تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الحقائق بالشائعات، وتتحول فيه المنصات الرقمية أحيانًا إلى ساحات للاستقطاب والتضليل. وهنا تتعاظم مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية في بناء الوعي الوطني، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ قيم المواطنة المسؤولة.

فالأمن الوطني في مفهومه المعاصر لم يعد مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ من وعي الفرد، وتمر بتماسك الأسرة والمجتمع، وتستند إلى مؤسسات فاعلة قادرة على حماية الدولة ومصالحها العليا.

القضية الفلسطينية... ثبات المبادئ في مواجهة محاولات فرض الواقع

وفي البعد الإقليمي، أعاد جلالة الملك التأكيد على الموقف الأردني التاريخي والثابت تجاه القضية الفلسطينية، بوصفها قضية حق وعدالة، وركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي.

فحين يؤكد جلالته أنه لا سبيل للأمن والاستقرار في المنطقة دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، فإنه يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن السلام المستدام لا تصنعه موازين القوة وحدها، وإنما تؤسسه العدالة والحقوق المشروعة واحترام القانون الدولي.

وقد حملت عبارات جلالته المتتابعة «فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم»، و«ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم»، و«ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضًا واهم»، دلالات سياسية بالغة القوة.

فهذه العبارات لا تكتفي برفض العدوان والانتهاكات، بل تؤكد أن المبادئ الأردنية ليست مواقف ظرفية تتغير بتغير الظروف، وإنما ثوابت متجذرة في هوية الدولة ونهج قيادتها الهاشمية.

وأرى أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقف تكمن في قدرته على الجمع بين الواقعية السياسية والثبات الأخلاقي؛ فالأردن يدرك تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية، لكنه لا يسمح لهذه التعقيدات بأن تتحول إلى مبرر للتنازل عن الحقوق أو القبول بفرض الوقائع بالقوة.

وهذا النهج يمنح الدبلوماسية الأردنية خصوصيتها ومصداقيتها، ويؤكد أن الدفاع عن القضية الفلسطينية ليس منفصلًا عن حماية الأمن الوطني الأردني، بل يرتبط به ارتباطًا وثيقًا في إطار رؤية شاملة لاستقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.

التحديث السياسي... من ممارسة الاختلاف إلى صناعة الإنجاز

ومن المحاور الجوهرية التي تستحق الوقوف عندها، حديث جلالة الملك عن مجلس الأمة ودوره في الحياة السياسية، إذ أكد أن المجلس يمثل ركنًا أساسيًا في البناء السياسي للدولة، وأن مسؤوليته تتجاوز التشريع إلى الرقابة وحماية المصلحة العامة وترسيخ الممارسة الديمقراطية المسؤولة.

وقد جاءت عبارة جلالته «إن اختلافكم في الرأي قوة، طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية»، لتقدم تصورًا ناضجًا لمفهوم التعددية السياسية.

فالاختلاف في الرأي ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل قد يكون مصدرًا لإثراء القرار العام وتصويب السياسات، شريطة أن يبقى محكومًا بالمسؤولية الوطنية واحترام المؤسسات وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

ومن هنا، فإن التحديث السياسي لا ينبغي أن يُختزل في تطوير التشريعات أو إعادة تشكيل الأطر التنظيمية وحدها، وإنما يجب أن يمتد إلى تحديث الثقافة السياسية ذاتها، والارتقاء بمستوى الخطاب العام، وتعزيز قيم الحوار والمساءلة واحترام الرأي الآخر.

ولعل من أعمق الرسائل التي تضمنها الخطاب تأكيد جلالته أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن مجلس الأمة من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب.

وهذه إشارة مهمة إلى أن الثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالنصوص القانونية وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، وبالقدوة التي يقدمها المسؤول، وبمدى التزامه بأخلاقيات العمل العام.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من قياس نجاح المؤسسات بعدد القرارات والتشريعات إلى قياس أثرها الحقيقي في حياة المواطنين، وقدرتها على الاستجابة للتحديات، وتحويل الاختلاف السياسي إلى قوة دافعة للإصلاح والإنجاز.

التحديث الاقتصادي... المواطن هو المعيار الحقيقي للنجاح

في الشأن الاقتصادي، حمل خطاب العرش رسالة واضحة مفادها أن الأردن ماضٍ في مشروع التحديث الاقتصادي، وأن المرحلة تتطلب تسريع العمل في المشاريع الكبرى، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع الفرص، وترسيخ الدور الاقتصادي المحوري للمملكة في محيطها الإقليمي.

غير أن الدلالة الأعمق لهذا المحور تتجلى في تأكيد جلالة الملك أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.

إن هذه الرؤية تقدم معيارًا بالغ الأهمية للحكم على نجاح السياسات الاقتصادية؛ فالتنمية ليست مجرد مؤشرات للنمو أو أرقام للاستثمار، وإنما تحسن ملموس في نوعية الحياة، واتساع في فرص العمل، وارتقاء في الخدمات، وتعزيز لقدرة الإنسان على بناء مستقبله بكرامة وثقة.

ومن وجهة نظري، فإن نجاح التحديث الاقتصادي يرتبط بقدرتنا على الانتقال من الاقتصاد الذي يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والمهارات المتقدمة.

وهنا يبرز الدور الاستراتيجي للجامعات الأردنية باعتبارها شريكًا أصيلًا في التنمية، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات الأكاديمية.

فالجامعة الحديثة مطالبة بإعادة النظر بصورة مستمرة في برامجها وتخصصاتها، وتعزيز التعليم التطبيقي والتقني، وتوسيع شراكاتها مع القطاعات الإنتاجية، وتحويل البحث العلمي إلى حلول عملية للتحديات الاقتصادية والمجتمعية.

وفي جامعة جدارا، ننظر إلى هذه التوجيهات الملكية بوصفها إطارًا وطنيًا يعزز مسؤوليتنا في تطوير التعليم، وربط مخرجاته بمتطلبات سوق العمل، وتنمية مهارات الطلبة، وتعزيز ثقافة الريادة والابتكار، إيمانًا منا بأن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأردن يبدأ من الاستثمار في الإنسان الأردني.

الأمن المائي... أولوية سيادية تتجاوز الحسابات التقليدية

ولعل من أكثر مضامين الخطاب أهمية من الناحية الاستراتيجية، ذلك التأكيد الملكي اللافت على قضية المياه، حين كرر جلالته: «المياه، المياه، المياه!».

إن هذا التكرار المكثف يحمل رسالة سياسية وتنموية واضحة؛ فالأمن المائي لم يعد مجرد ملف خدمي أو تحدٍّ بيئي، بل أصبح قضية سيادية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحقوق الأجيال القادمة.

وحين يقول جلالته «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف»، فإننا أمام رؤية استباقية تدرك أن التحديات المستقبلية للدول لن تقتصر على الصراعات التقليدية، بل ستمتد إلى الموارد الطبيعية والغذاء والطاقة والمياه.

وأرى أن هذه الرسالة تستوجب تحولًا في طريقة التعامل مع الملف المائي، من إدارة الندرة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن المائي، تقوم على التخطيط طويل المدى، وتطوير البنية التحتية، وتوظيف التكنولوجيا، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، ودعم البحث العلمي في مجالات التحلية وإعادة الاستخدام والاستدامة البيئية.

كما أن هذا التوجه يضع الجامعات ومراكز البحث العلمي أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، تتمثل في إنتاج المعرفة التطبيقية وتقديم الحلول المبتكرة التي تسهم في حماية الموارد المائية وتعزيز استدامتها.

فالأمن المائي، في جوهره، هو أمن للأجيال المقبلة، واستثمار في قدرة الدولة على حماية استقلالها التنموي وقرارها الوطني.

سيادة القانون... أساس الدولة العادلة والمؤسسات القوية

وفي رسالة حازمة لا تحتمل التأويل، أكد جلالة الملك أن الوظيفة العامة ليست تشريفًا يرفع صاحبها عن العمل وخدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أيًا كان.

وقد اختزل جلالته جوهر دولة القانون في عبارة شديدة الوضوح: «القانون لا يعرف اسمًا، ولا منصبًا، ولا نفوذًا».

إن هذه العبارة، في تقديري، تمثل إحدى الركائز الفكرية والأخلاقية للخطاب بأكمله؛ لأنها تؤكد أن قوة الدولة لا تنبع من سلطتها وحدها، وإنما من عدالة مؤسساتها، ومساواة مواطنيها أمام القانون، وقدرتها على إخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء.

فالمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، وإنما مسؤوليات وطنية تستمد مشروعيتها من خدمة الناس وصون حقوقهم وتحقيق المصلحة العامة.

ولا يمكن لأي مشروع تحديث سياسي أو اقتصادي أو إداري أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى منظومة مؤسسية تحكمها النزاهة والشفافية والكفاءة وسيادة القانون.

ومن هنا، فإن رسالة جلالة الملك تتجاوز التحذير من إساءة استخدام السلطة إلى إعادة التأكيد على فلسفة الحكم الرشيد، التي تجعل المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، والسلطة مرتبطة بالواجب، والإنجاز معيارًا لتقييم الأداء.

الجامعات الأردنية... شريك في بناء الوعي وصناعة المستقبل

إن القراءة الشاملة لخطاب العرش تضع مؤسسات التعليم العالي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للجامعات أن تترجم هذه الرؤية الملكية إلى ممارسات أكاديمية وبحثية ومجتمعية ملموسة؟

وفي اعتقادي، فإن الإجابة تبدأ من إعادة التأكيد على أن رسالة الجامعة لا تنحصر في نقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء الشخصية الوطنية الواعية، وإعداد الإنسان القادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في التنمية.

فالوعي الذي راهن عليه جلالة الملك يبدأ من المدرسة ويتعمق في الجامعة، والتحديث الاقتصادي الذي دعا إلى تسريع إنجازه يحتاج إلى كفاءات علمية ومهنية مؤهلة، وسيادة القانون التي أكدها جلالته تستوجب ترسيخ ثقافة النزاهة والمواطنة واحترام المؤسسات.

كما أن التحديات الوطنية، وفي مقدمتها الأمن المائي والاستدامة والاقتصاد الرقمي، تفرض على الجامعات توجيه جزء أكبر من جهودها البحثية نحو الأولويات الوطنية، وتعزيز التعاون مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتحويل المعرفة إلى قيمة تنموية واقتصادية.

ومن هذا المنطلق، نؤمن في جامعة جدارا بأن مسؤوليتنا الأكاديمية والوطنية تقتضي أن نكون جزءًا فاعلًا من مشروع التحديث الشامل، من خلال تعليم نوعي، وبحث علمي تطبيقي، وشراكات منتجة، ومبادرات مجتمعية تسهم في بناء الإنسان وتعزيز قدرته على المنافسة والإنجاز.

فالجامعات التي تنجح في أداء رسالتها الوطنية ليست تلك التي تكتفي بتخريج أعداد من الطلبة، بل تلك التي تخرّج عقولًا قادرة على صناعة الحلول، وقيادات تمتلك الوعي، وكفاءات تسهم في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية ومجتمع أكثر تماسكًا.

من الرؤية الملكية إلى المسؤولية الوطنية المشتركة

إن ما يميز خطاب العرش السامي أنه لم يقدم القضايا الوطنية بوصفها ملفات منفصلة، بل وضعها ضمن منظومة متكاملة تتفاعل فيها عناصر الأمن والسياسة والاقتصاد والعدالة والتنمية.

فلا أمن مستدامًا دون مجتمع متماسك، ولا تحديث اقتصاديًا حقيقيًا دون مؤسسات كفؤة، ولا ثقة عامة دون سيادة القانون، ولا مستقبل تنمويًا آمنًا دون حماية الموارد الوطنية والاستثمار في الإنسان.

وهنا تكمن، برأيي، الرسالة الأهم في الخطاب: أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة الاكتفاء بالتشخيص أو إعلان النوايا، وإنما مرحلة مضاعفة العمل، وتسريع الإنجاز، وتعزيز المساءلة، وتحويل الرؤى إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك أهمية هذه الأولويات، بل في بناء القدرة المؤسسية على تنفيذها، ووضع معايير واضحة لقياس أثرها، وترسيخ ثقافة وطنية تجعل الإنجاز والمسؤولية والعمل الجاد قيمًا حاكمة للأداء العام.

الأردن الذي يصنع مستقبله بثبات

لقد أعاد خطاب العرش السامي التأكيد على حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين، مفادها أن هذا الوطن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، لم يكن يومًا أسيرًا للتحديات، بل استطاع عبر تاريخه أن يحوّل المحن إلى محطات لتعزيز صموده وتماسكه ومواصلة بنائه.

وما بين الوفاء للشهداء، والثبات على المواقف القومية، وترسيخ دولة القانون، وتسريع التحديث الاقتصادي، وحماية الأمن المائي، تتجلى رؤية ملكية تستند إلى وعي عميق بمتطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

ولعل العبارة التي اختتم بها جلالة الملك خطابه، حين خاطب الأردنيين بقوله «أيها الأردنيون.. شعبي وسندي»، تختزل طبيعة العلاقة التاريخية بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني؛ علاقة تقوم على الثقة المتبادلة، والانتماء الصادق، والشعور المشترك بالمسؤولية تجاه الوطن.

إننا أمام خطاب لا يكتفي برسم ملامح المرحلة، بل يدعونا جميعًا، كلٌّ من موقعه، إلى إعادة تعريف مسؤوليتنا الوطنية، وإدراك أن بناء الأردن الأقوى والأكثر ازدهارًا لا يتحقق بالتمنيات، وإنما بالعمل والعلم والإخلاص والإنجاز.

فالأردن الذي راهن جلالة الملك على وعي أبنائه وحكمتهم، يستحق منا أن نكون على قدر هذا الرهان؛ في مؤسساتنا وجامعاتنا ومواقع مسؤوليتنا، وأن نجعل من كل تحدٍّ فرصة للبناء، ومن كل إنجاز خطوة نحو مستقبل يليق بهذا الوطن وقيادته وشعبه.

وسيظل الأردن، بإذن الله، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي ومؤسساته الراسخة، نموذجًا في الثبات والاعتدال، وعنوانًا للعزة والكرامة، ووطنًا يصنع مستقبله بإرادة أبنائه، ويحمي منجزاته بوعيهم وانتمائهم.

حمى الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.


مدار الساعة ـ