أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خطاب العرش السامي… حين تتحدث هيبة الدولة، وينطق التاريخ، ويقف الأردن شامخاً في وجه التحديات


الدكتور أحمد بني عطا

خطاب العرش السامي… حين تتحدث هيبة الدولة، وينطق التاريخ، ويقف الأردن شامخاً في وجه التحديات

مدار الساعة ـ

هناك أوطان لا تُختصر بحروف النشيد، ولا تُقاس عظمتها بمساحتها، ولا تُروى حكاياتها في صفحات التاريخ فحسب؛ هناك أوطان تسكن القلوب، وتكبر في وجدان أبنائها كلما اشتدت عليها العواصف. والأردن واحد من تلك الأوطان التي لم تكن يوماً رقماً على خارطة، بل كان وما زال قصة وطنٍ عظيم، وراية عزٍّ لا تنحني، وتاريخاً من المواقف التي لا تبدلها الظروف ولا تمحوها السنوات.

وفي هذا المقام، جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، اليوم الاثنين، الثاني من تشرين الثاني لعام 2026، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليحمل بين كلماته رسائل وطنية وسياسية وإنسانية عميقة، وليؤكد أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات، ماضٍ بثبات في حماية أمنه، وصون كرامة أبنائه، والدفاع عن مصالحه وقضايا أمته.

لم يكن خطاب العرش مجرد مناسبة دستورية تتجدد مع افتتاح دورة برلمانية، ولم تكن كلماته مجرد عبارات تُلقى في قاعة مجلس الأمة، بل كان خطاباً يستحضر معنى الدولة وهيبتها، ويضع المسؤولية أمام أصحاب القرار، ويعيد التأكيد على أن الأوطان لا تُصان بالأمنيات، وإنما بالإرادة والعمل والوعي والوفاء.

الأردن… وطن لا تهزه العواصف

حين نتحدث عن الأردن، فإننا نتحدث عن وطنٍ عرف معنى التحدي، وواجه تقلبات المنطقة بثبات، وحافظ على أمنه واستقراره وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب. وطنٌ لم يكن طريقه مفروشاً بالورود، لكنه امتلك من صلابة أبنائه ووعي قيادته ما جعله يواصل مسيرته رغم صعوبة الظروف.

وقد جاءت الرسالة الملكية المتعلقة بأمن الوطن ووحدته واضحة وحاسمة، خصوصاً في أعقاب العمل الإرهابي الذي استهدف مواطنين في محافظة الكرك، وما خلّفه من شهداء ووجع في وجدان الأردنيين.

إن أمن الأردن ليس قضية قابلة للمساومة، ووحدته الوطنية ليست شعاراً موسمياً، بل هي أساس وجود الدولة وقوة المجتمع. فالأردنيون، على اختلاف أصولهم ومنابتهم، يجمعهم وطن واحد، ومصير واحد، وراية واحدة، وتاريخ من الأخوة والتضحيات.

ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه الأردني لوطنه أن يدرك أن الفتنة لا تبني دولة، وأن الكراهية لا تصنع مستقبلاً، وأن قوة الأردن الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه وتماسكهم، وفي قدرتهم على الوقوف صفاً واحداً أمام كل ما يستهدف أمنهم واستقرارهم.

دماء الشهداء… عهد لا يسقط بالتقادم

في لحظات الوطن الفارقة، لا تكون الكلمات كافية لوصف حجم التضحية، ولا تستطيع العبارات أن تفي الشهداء حقهم. فالشهداء ليسوا أسماءً تُذكر في المناسبات، ولا صوراً تُعلّق على الجدران، بل هم صفحات خالدة من تاريخ الوطن، وأمانة باقية في ضمير كل أردني.

وقد حملت الإشارة الملكية إلى شهداء الكرك معنى يتجاوز الحزن والرثاء؛ إنها تأكيد بأن دماء أبناء الأردن ليست أمراً عابراً، وأن التضحية التي قُدمت من أجل الوطن ستبقى حاضرة في ذاكرته ووجدانه.

ومن هنا، فإن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بحماية الوطن الذي ضحوا من أجله، وصون وحدته، والوقوف في وجه كل من يحاول العبث بأمنه أو تمزيق نسيجه الاجتماعي.

رحم الله شهداء الأردن، وحفظ كل جندي يسهر على حدود الوطن، وكل رجل أمن يحمل مسؤولية حماية الناس، وكل إنسان جعل من سلامة الأردن وكرامة أبنائه أولوية لا تتقدم عليها أولوية.

القيادة الهاشمية… مسؤولية التاريخ وأمانة المستقبل

للأردن خصوصية تاريخية وسياسية تشكلت عبر مسيرة طويلة من البناء والتضحيات، وكانت القيادة الهاشمية جزءاً أساسياً من هذه المسيرة.

وفي ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، يبرز خطاب العرش باعتباره مناسبة لتحديد الأولويات الوطنية، وتجديد التأكيد على مسؤولية مؤسسات الدولة تجاه المواطن، وعلى ضرورة التعامل مع التحديات بروح المسؤولية والجدية.

إن قيمة القيادة لا تظهر في الكلمات وحدها، بل في القدرة على وضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وفي صون مؤسسات الدولة، وفي الحفاظ على توازن المواقف في زمن تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه الضغوط.

ويظل ولي العهد، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حاضراً في مسيرة الدولة ومؤسساتها، بما يحمله موقعه من مسؤولية وطنية ومستقبلية، في ظل استمرار مسيرة البناء والتحديث.

فالأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، بل تصنع من تاريخها نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.

فلسطين في وجدان الأردن… موقف لا تغيره الظروف

لم يكن الموقف الأردني من القضية الفلسطينية يوماً موقفاً طارئاً أو مرتبطاً بظرف سياسي عابر؛ فهي قضية حق وعدالة وكرامة، ولها مكانة راسخة في السياسة الأردنية والوجدان الأردني.

وقد أعاد خطاب العرش التأكيد على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، وأن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس، إلى جانب الأطماع التوسعية، يشكل تهديداً لمستقبل المنطقة وآمال شعوبها.

وهنا تتجلى أهمية الموقف الأردني الذي يؤكد أن السلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الحقوق، ولا على فرض الوقائع بالقوة، وإنما على العدالة واحترام القانون الدولي وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

فالأردن، الذي يحمل القضية الفلسطينية في مواقفه السياسية والإنسانية، يؤكد أن كرامة الشعوب وحقوقها ليست موضوعاً قابلاً للنسيان، وأن الحق لا تسقطه السنوات، ولا تمنحه القوة لمن لا يملكه.

هيبة الدولة تبدأ من سيادة القانون

ومن أبرز الرسائل التي حملها خطاب العرش التأكيد على أن الوظيفة العامة مسؤولية وخدمة، وليست امتيازاً يرفع صاحبه فوق الناس أو يعفيه من واجباته.

وهذه رسالة في غاية الأهمية؛ لأن الدولة القوية لا تقوم على الأسماء والمناصب، بل على المؤسسات والعدالة والمساواة أمام القانون.

فلا يجوز أن يتحول المنصب إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، ولا أن تصبح المسؤولية العامة باباً للنفوذ أو المحاباة. إن المواطن الذي يقف أمام القانون يجب أن يشعر بأن حقوقه مصونة، وأن العدالة لا تتغير بتغير الأسماء أو المواقع.

وحين تكون هيبة القانون فوق الجميع، تزداد ثقة الناس بمؤسساتهم، ويصبح الانتماء للوطن أكثر رسوخاً، لأن المواطن يرى أن كرامته وحقوقه ليستا رهناً بمكانته الاجتماعية أو قدرته على الوصول إلى أصحاب النفوذ.

إن المسؤول الحقيقي هو الذي يترك أثراً في حياة الناس، ويقيس نجاحه بما يقدمه لوطنه، لا بما يحصل عليه من امتيازات.

المواطن أولاً… فالوطن لا ينهض إلا بأبنائه

إن أجمل ما يمكن أن تتمحور حوله السياسات الوطنية هو الإنسان الأردني؛ ذلك الإنسان الذي يعمل ويجتهد، ويواجه أعباء الحياة، ويحمل أحلامه وأحلام أسرته، وينتظر أن يرى أثر التنمية في واقعه ومستقبل أبنائه.

فمصلحة الأردني يجب ألا تكون على هامش القرار، بل في صميمه، وهذه الرسالة تضع أمام الحكومة ومجلس الأمة مسؤولية كبيرة في تحويل التوجيهات إلى نتائج ملموسة.

فالشباب ينتظرون فرصاً حقيقية للعمل والإبداع، والأسر تطمح إلى حياة كريمة، والطلبة يحتاجون إلى تعليم يفتح أمامهم أبواب المستقبل، والمرضى يتطلعون إلى خدمات صحية تحفظ كرامتهم، والمواطن عموماً يريد أن يرى مؤسسات الدولة قريبة منه، تسمع صوته وتتعامل مع احتياجاته بجدية.

إن التنمية ليست أرقاماً تُعلن، ولا خططاً تُكتب، بل هي حياة تتحسن، وفرصة عمل تُفتح، ومشروع يُنجز، وحق يُصان، وأمل يتحول إلى واقع.

الأمن المائي… معركة المستقبل ومسؤولية الأجيال

ومن الرسائل المهمة في الخطاب الملكي التأكيد على أن الأمن المائي أولوية وطنية لا تقبل المساومة.

فالماء ليس مجرد مورد من موارد الحياة، بل هو أساس الاستقرار والتنمية والأمن الغذائي، وحق أصيل للأجيال الحالية والقادمة.

وفي بلد يواجه تحديات مائية كبيرة، يصبح التخطيط الاستباقي، والاستثمار في المشاريع المائية، وحماية الموارد، وترشيد الاستهلاك، مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.

إن حماية قطرة الماء هي حماية لمستقبل طفل أردني، وأمن أسرة، واستدامة أرض، وقدرة وطن على مواصلة التنمية.

ومن هنا، فإن توجيه الحكومة إلى الاستمرار في مشاريع الأمن المائي ووضع الخطط اللازمة لحماية الموارد يعكس أهمية النظر إلى المستقبل بعين المسؤولية، وعدم الاكتفاء بمعالجة الأزمات بعد وقوعها.

مجلس الأمة… مسؤولية الكلمة وأمانة القرار

لقد وضع خطاب العرش أمام مجلس الأمة مسؤولية تتجاوز الدور التشريعي التقليدي، لتصل إلى جوهر العلاقة بين المؤسسات والمواطنين.

فالمواطن لا ينظر إلى القوانين التي تصدر عن مجلس الأمة فقط، بل ينظر أيضاً إلى سلوك ممثليه، ومستوى خطابهم، ومدى قدرتهم على التعبير عن قضاياه والدفاع عن مصالحه.

والاختلاف في الرأي، كما أكد الخطاب، يمكن أن يكون مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية.

وهذا يعني أن العمل البرلماني الحقيقي لا يقوم على الصخب أو المصالح الضيقة، بل على الحوار المسؤول، والرقابة الفاعلة، والتشريع الذي يخدم الناس، ومناقشة القضايا الوطنية بروح من الجدية والاحترام.

فالموقع النيابي أمانة، والصوت الانتخابي مسؤولية، والثقة الشعبية لا تُحفظ بالشعارات، وإنما بالعمل والإنجاز والاقتراب من هموم المواطنين.

حرية الرأي… وطن يتسع للكلمة المسؤولة

ومن المعاني المهمة التي أكدها الخطاب أن التداول في الشأن العام حق مشروع، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول.

وهذه رسالة تؤكد أن الانتماء لا يعني إلغاء الاختلاف، وأن حب الأردن لا يتعارض مع النقد البنّاء، بل إن الأوطان تتقدم عندما تتسع للحوار، وتحترم الرأي، وتفتح المجال أمام الأفكار التي تسهم في الإصلاح والتطوير.

فالكلمة المسؤولة ليست تهديداً للوطن، بل قد تكون وسيلة لحمايته من الأخطاء، وتصويب المسارات، وإظهار مواطن الخلل قبل أن تتسع.

لكن الحرية تزداد قيمة حين تقترن بالوعي، ويزداد الاختلاف احتراماً حين تحكمه الأخلاق، وتصبح الكلمة أكثر تأثيراً حين تنطلق من الحرص على الوطن لا من الرغبة في الإساءة إليه.

إن الأردن الذي نريده هو وطن يحفظ كرامة الكلمة، ويصون حق الاختلاف، ويجعل مصلحة الدولة والمجتمع فوق كل اعتبار.

الأردن في عيون أبنائه… انتماء يتجاوز الشعارات

ليس الانتماء أن نرفع العلم في المناسبات فقط، ولا أن نكتب عبارات المحبة حين تكون الظروف سهلة؛ الانتماء الحقيقي أن نكون أوفياء للوطن في كل الظروف.

أن نحافظ على مؤسساته، ونحترم قوانينه، ونحمي وحدته، ونؤدي واجباتنا بإخلاص، ونرفض الفساد، ونعمل من أجل مستقبل أفضل.

الانتماء أن يشعر المعلم أن رسالته بناء جيل، والطبيب أن مهنته حفظ حياة، والجندي أن مهمته حماية وطن، والموظف أن موقعه خدمة الناس، والشاب أن مستقبله مرتبط بقدرته على الإبداع والعمل.

فالأردن ليس مسؤولية القيادة وحدها، ولا الحكومة وحدها، ولا المؤسسات وحدها؛ إنه مسؤولية كل مواطن يعيش على أرضه ويستظل بسمائه.

وكلما أدرك الأردنيون أن قوتهم في وحدتهم، وأن مستقبلهم في عملهم، وأن كرامتهم في صون وطنهم، أصبح الأردن أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص.

سيبقى الأردن أكبر من التحديات

في نهاية المطاف، يبقى خطاب العرش السامي مناسبة وطنية تستحق التأمل في معانيها ورسائلها، وفرصة لإعادة التفكير في مسؤوليات الجميع تجاه هذا الوطن.

لقد كان جوهر الرسالة أن الأردن قوي بوحدته، عزيز بمواقفه، ثابت بمؤسساته، وأن مصلحة المواطن يجب أن تكون أساس القرار، وأن أمن الوطن وسيادة القانون وحماية موارده والدفاع عن قضايا الأمة ليست عناوين عابرة، بل ثوابت وطنية تستوجب العمل المستمر.

ولعل أعظم ما يمكن أن نخرج به من هذا الخطاب هو أن حب الأردن لا ينبغي أن يبقى حبيس الكلمات، بل يجب أن يتحول إلى سلوك، وإلى إخلاص في العمل، وإلى مسؤولية في الموقف، وإلى حرص دائم على مستقبل الأجيال.

فيا أردن، يا وطن الكرامة والعز، يا حكاية الأرض التي لا تنتهي، ويا رايةً حملها الآباء بأمانة، ويحملها الأبناء بفخر، ستبقى في القلب ما بقي في القلب نبض، وستبقى هويتك أكبر من كل الظروف، وتاريخك أعمق من كل التحديات.

وإننا، ونحن نرى رايتك عالية، ندرك أن الأوطان لا تُقاس بما تواجهه من صعوبات، بل بما تمتلكه من إرادة لتجاوزها، ولا تُقاس عظمتها بكثرة الكلام عنها، بل بوفاء أبنائها لها.

حفظ الله الأردن وطناً آمناً عزيزاً منيعاً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحمى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، ورحم شهداء الوطن الذين جعلوا من تضحياتهم سطوراً خالدة في كتاب المجد الأردني.

عاش الأردن حراً عزيزاً، وعاشت رايته خفّاقة في سماء المجد، وبقيت أرضه دار عزّ وكرامة، وشعبه أسرة واحدة لا تفرقها المحن ولا تكسرها التحديات.

هذا هو الأردن… وطنٌ لا ينحني، وشعبٌ لا يتخلى، ورايةٌ لا تغيب

مدار الساعة ـ