أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الموجات القاتلة.. كيف تحولت الأجهزة الصوتية إلى أسلحة أمنية مثيرة للجدل؟

مدار الساعة,أخبار التكنولوجيا، التقنيات,القوات الجوية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -لم تعد الأسلحة المستخدمة في الحروب وعمليات السيطرة على الحشود تقتصر على الرصاص والغازات المسيلة للدموع، إذ دخل الصوت بدوره إلى ساحة المواجهة، بعدما طورت جيوش وأجهزة أمنية تقنيات قادرة على إطلاق موجات صوتية شديدة التركيز، تستهدف أشخاصاً أو تجمعات بعينها، وتُستخدم للتحذير أو تفريق الحشود، وسط تحذيرات من مخاطرها الصحية واحتمالات تسببها في أضرار دائمة بالسمع.

وتبرز أجهزة "الصوت بعيد المدى" المعروفة اختصاراً باسم (LRAD)، باعتبارها واحدة من أبرز هذه التقنيات، إذ تستخدمها أجهزة إنفاذ القانون في عدد من الدول كوسيلة غير تقليدية للسيطرة على الحشود، فيما تمتد تطبيقاتها إلى المجال العسكري والبحري، حيث يمكن توظيفها لإرسال التحذيرات وإبعاد التهديدات المحتملة.

من تحذير السفن إلى تفريق المتظاهرين

تعود بدايات تطوير أجهزة LRAD إلى عام 2000، عندما ظهرت الحاجة إلى وسائل تمكّن السفن من توجيه تحذيرات صوتية بعيدة المدى وفرض مناطق أمنية حولها.

وتتوافر هذه الأجهزة بنماذج محمولة وأخرى ثابتة يمكن تركيبها على السفن والمركبات، بل وعلى المروحيات، وتتميز بقدرتها على توجيه حزم صوتية مركزة نحو أهداف محددة، بدلاً من نشر الصوت في جميع الاتجاهات كما تفعل مكبرات الصوت التقليدية.

وبرز استخدامها في الولايات المتحدة خلال احتجاجات ساحة لافاييت عام 2020، عندما استعانت بها قوات إنفاذ القانون الفيدرالية لتحذير الحشود، قبل استخدام وسائل أخرى لتفريق المتظاهرين.

كما استخدمت شرطة نيويورك هذه التقنية خلال احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" في مانهاتن عام 2014، وهو ما أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد تقدم عدد من المتضررين بدعاوى قضائية تحدثوا فيها عن معاناتهم من الصداع النصفي وآلام الأذن وأعراض صحية استمرت لسنوات.

كيف يتحول الصوت إلى سلاح؟

تعتمد أجهزة LRAD على مكونات إلكترونية تُعرف باسم "محولات الطاقة الكهروضغطية"، وهي مواد تتغير خصائصها وشكلها عند تعرضها للتيار الكهربائي، بما يؤدي إلى توليد اهتزازات وموجات صوتية شديدة القوة.

وتختلف قدرات هذه الأجهزة بحسب الطراز، سواء من حيث مدى انتشار الصوت أو زاوية التغطية.

وتقول الشركة المصنعة "Genasys" إن بعض أنظمتها يمكنها تغطية نطاق يتراوح بين 30 و360 درجة، مع إمكانية سماع الصوت على مسافات تصل إلى كيلومترين.

ولا تقتصر وظيفة هذه الأجهزة على إصدار رسائل تحذيرية، إذ يمكن تشغيلها لإطلاق أصوات شديدة الارتفاع تشبه صفارات الإنذار، بما يجعل التعرض المباشر لها مؤلماً ومزعجاً للغاية.

وقد استخدمت وزارة الدفاع الأمريكية أحد هذه الأنظمة لإبعاد قراصنة حاولوا مهاجمة سفينة سياحية، فيما طوّر باحثون في الصين نموذجاً محمولاً من هذه التقنية.

من الحرب النفسية إلى "التعذيب بالموسيقى"

لم يكن توظيف الصوت لأغراض عسكرية وأمنية وليد التقنيات الحديثة، بل يعود استخدامه في التأثير النفسي على الخصوم إلى عقود طويلة.

فخلال حرب فيتنام، لجأ الجيش الأمريكي إلى بث أصوات مرعبة بهدف إضعاف معنويات القوات المعادية.

وفي عام 1989، استخدمت القوات الأمريكية الموسيقى الصاخبة ضمن ما عُرف لاحقاً باسم "التعذيب بالموسيقى"، في محاولة لإجبار الزعيم العسكري البنمي مانويل نورييغا على مغادرة مخبئه، حيث جرى بث موسيقى لفرق عالمية، من بينها U2 وGuns N' Roses وVan Halen، عبر مكبرات صوت مثبتة على مركبات عسكرية.

إصابات سمعية ومخاوف صحية

تتمثل أبرز المخاطر المرتبطة بأجهزة LRAD في قدرتها على إحداث أضرار بالسمع، خاصة عند التعرض المباشر أو المتكرر لمستويات صوتية مرتفعة.

وتشير تقارير إلى أن الأشخاص الموجودين على مسافة تتراوح بين 15 و20 متراً من الجهاز قد يتعرضون لإصابات سمعية، تشمل فقدان السمع والطنين وآلام الأذن المستمرة.

كما نقلت تقارير عن متضررين معاناتهم من الصداع والغثيان والدوار، فضلاً عن أعراض أخرى قد تتجاوز الأذن لتؤثر في وظائف الجسم.

وفي عام 2018، وافق مجلس مدينة فينيكس الأمريكية على شراء جهازين من هذه الأنظمة، رغم الجدل المثار حول استخدامها. ويصل مستوى الصوت في طراز LRAD-500X إلى 154 ديسيبل، وهو مستوى مرتفع للغاية، ويتجاوز الحدود التي تشير إليها الجهات الصحية الأمريكية باعتبارها مستويات قد تشكل خطراً على السمع.

وامتد استخدام هذه الأجهزة إلى مدن أمريكية عدة، من بينها بورتلاند وسان خوسيه وفينيكس وكولومبوس، كما اقتنت أجهزة أمنية في أستراليا معدات مماثلة، بينما استخدمت إسرائيل نظاماً صوتياً يحمل اسم "الصرخة" لتفريق الاحتجاجات.

أسلحة صامتة.. هل يمكن للصوت أن يؤثر دون أن يُسمع؟

إلى جانب أجهزة LRAD التي تعتمد على الأصوات المرتفعة، تتحدث بعض التقارير عن فئة أخرى من التقنيات الصوتية تُعرف باسم "الأسلحة تحت الصوتية" (Infrasound)، وتعتمد على ترددات تقل عن نطاق السمع البشري.

وتثير هذه التقنيات تساؤلات بشأن احتمالات تأثيرها في الإنسان، إذ تشير دراسة منشورة في مجلة Biomedical Journal of Science & Technical Research إلى ارتباط التعرض للموجات تحت الصوتية بأعراض محتملة، من بينها القلق والخوف والغثيان والشعور بالضغط في الصدر، فضلاً عن اضطرابات نفسية وجسدية أخرى.

لكن حجم الأدلة العلمية المتاحة بشأن هذه التأثيرات لا يزال محدوداً، ولا توجد أبحاث محكّمة كافية تحسم جميع الادعاءات المتعلقة بقدرة هذه الموجات على إحداث أضرار داخلية أو نفسية بالطريقة التي تصفها بعض التقارير.

متلازمة هافانا.. لغز لم يُحسم

وأعاد الحديث عن الأسلحة الصوتية إلى الواجهة قضية "متلازمة هافانا"، التي ظهرت بعد تسجيل إصابات وأعراض غامضة بين دبلوماسيين ومسؤولين أمريكيين في كوبا والصين، شملت الصداع والغثيان وفقدان السمع واضطرابات الإدراك.

ففي عام 2016، أبلغ نحو 24 أمريكياً في كوبا عن أعراض صحية غير معتادة، عقب سماع أصوات غريبة أو الشعور بأحاسيس غير مألوفة، قبل أن تتكرر تقارير مشابهة بين موظفين أمريكيين في الصين. وهو ما أثار تكهنات بشأن احتمال استخدام تقنيات صوتية أو طاقة موجهة في تلك الحوادث.

غير أن التحقيقات الأمريكية لم تتوصل إلى دليل قاطع يثبت تورط دولة أجنبية في هذه الحالات.

وأشارت تقييمات استخباراتية إلى أن معظم الإصابات قد تكون مرتبطة بأسباب طبية أو بيئية، فيما خلص تقييم لوكالة الاستخبارات المركزية إلى أن تورط جهة أجنبية معادية أمر مستبعد للغاية.

وفي المقابل، واصلت وزارة الدفاع الأمريكية دراسة الظاهرة بالتعاون مع مختبرات الأبحاث التابعة للجيش والقوات الجوية، في محاولة لفهم طبيعة الأعراض والآليات المحتملة وراءها.

سلاح مثير للجدل بين الضرورة الأمنية والمخاطر الإنسانية

رغم ما توفره الأسلحة الصوتية من إمكانات للتحذير والتواصل والسيطرة على الحشود، فإن استخدامها يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية تتعلق بمدى تناسب القوة المستخدمة مع طبيعة التهديد، واحتمالات إصابة أشخاص لا علاقة لهم بالأحداث.

وتحذر جهات حقوقية وخبراء من أن الاستخدام العشوائي أو المتكرر لهذه الأجهزة قد يحوّل الإصابات السمعية المؤقتة إلى أضرار دائمة، خصوصاً في ظل عدم اكتمال الدراسات المتعلقة بتأثيراتها الصحية بعيدة المدى.

ويرى خبراء أن استخدامها ينبغي أن يقتصر على حالات الضرورة، وأن يخضع لضوابط صارمة، مع التأكد من تدريب المشغلين وتجنب تعريض المدنيين والمارة للخطر.

وبينما تتطور تقنيات توظيف الصوت في المجالات العسكرية والأمنية، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الإنسان من سلاح لا يُرى أثره بالعين، لكنه قد يترك أضراراً يصعب علاجها.


مدار الساعة ـ