في خطاب العرش، وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني ثلاث رسائل حاسمة إلى عواصم القرار، حين ردّد كلمة "واهم" ثلاث مرات، مفنّدًا ثلاثة رهانات: رهان الاحتلال على القوة، ورهانه على النسيان، ورهان الضغوط على تبدّل الموقف الأردني.
ولم يحتج الملك إلى تسمية الأشخاص؛ فقد حدّد الانتهاكات الإسرائيلية، وكان السياق أبلغ من الأسماء. فمن غزة إلى الضفة الغربية والقدس، تتجلى مأساة شعب يُراد له أن يقبل الظلم واقعًا، وأن يرى في استمرار الاحتلال قدرًا لا فكاك منه.أما الرسالة الأولى، فكانت أن الطغيان لا يمنح الشرعية؛ فمن ظن أن القوة تُكسب الاحتلال حقًّا، فقد خلط بين السيطرة على الأرض وامتلاك الحق فيها. فالقدرة على فرض الواقع لا تعني مشروعيته.وجاءت الرسالة الثانية لتؤكد أن الزمن لا يمحو الحقيقة؛ فمن راهن على النسيان، فقد توهّم أن ذاكرة الشعوب تُدفن تحت أنقاض بيوتها، وأن الحقوق تسقط بتعاقب السنين.أما الرسالة الثالثة، فكانت تأكيدًا أن الأردن لا يبدّل مبادئه تحت وطأة الضغوط؛ فالمواقف الراسخة لا تُختبر حين يكون التمسك بها يسيرًا، بل حين تصبح كلفتها باهظة.ولعل أبلغ ما حمله الخطاب استحضار الملك والده وابنه بقوله: "كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي". ففي هذه الكلمات امتدت الرسالة عبر ثلاثة أجيال هاشمية، لتؤكد أن فلسطين ليست قضية طارئة في السياسة الأردنية، بل مسؤولية تاريخية لا تنقضي بتعاقب الأجيال.وحين أكد جلالته أنه "لا سبيل للأمن والاستقرار في منطقتنا، دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه"، وضع القضية في صميم معادلة السلام؛ فلا استقرار يُبنى على إنكار الحقوق، ولا تسوية تدوم إذا قامت على الظلم.ولم تكن دعوته إلى وحدة الكلمة العربية استعادةً لشعار مألوف، بل تنبيهًا إلى أن تشتّت المواقف يبدّد القدرة على التأثير، ويترك مصائر الشعوب رهينةً لحسابات الآخرين.وفي الداخل، تكتمل دلالات الخطاب؛ فالأردن القادر على الدفاع عن مصالحه وقضايا أمته هو الأردن المتماسك بشعبه، القوي بمؤسساته، المستند إلى ثقة مواطنيه.لقد تحدّث الملك بلغةٍ حاسمة، لا تحتمل التأويل ولا تترك مجالًا للمساومة، حين قال: "من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم. ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم. ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضا واهم"ثلاث رسائل تختصر موقفًا لا يتبدّل: فلسطين ليست قضية يطويها الزمن، والأردن ليس دولة تُغيّر مبادئها الضغوط، والحق ليس منحةً يمنحها الأقوياء لمن يشاؤون.ومن ظن غير ذلك... فهو الواهم الرابع!ثلاثة أوهام تهاوت أمام موقف الملك!
مدار الساعة ـ