لم يكن خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مجرد مناسبة دستورية لافتتاح دورة جديدة لمجلس الأمة، بل حمل مجموعة من الرسائل السياسية والوطنية التي تستحق التوقف عندها وقراءتها بعمق، خصوصًا في ظل ما تمر به المنطقة من تحديات، وما ينتظره الأردنيون من مؤسسات دولتهم في المرحلة المقبلة.
منذ بداية الخطاب، كان واضحًا أن أمن الأردن ووحدته الوطنية يشكلان أساس كل ما عداهما. وعندما تحدث جلالة الملك عن شهداء الكرك، وعن مواجهة الإرهاب والخوارج، لم يكن الحديث مقتصرًا على حادثة بعينها، بل جاء تأكيدًا على أن أمن الأردنيين واستقرار وطنهم مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن المجتمع الأردني سيبقى متماسكًا في مواجهة كل من يحاول العبث بأمنه أو ضرب وحدته.ولعل اللافت في الخطاب أن جلالة الملك ربط قوة الأردن بوعي شعبه وتماسكه، وبالدور الذي يقوم به الجيش العربي والأجهزة الأمنية في حماية الوطن. وهي رسالة تؤكد أن قوة الدولة لا تقوم على مؤسساتها الأمنية والعسكرية وحدها، بل على ثقة المواطنين بها، وعلى جبهة داخلية تدرك حجم التحديات وتتعامل معها بالحكمة والمسؤولية.وفي الشأن الفلسطيني، جدد جلالة الملك التأكيد على ثبات الموقف الأردني، وأنه لا يمكن الحديث عن أمن واستقرار حقيقيين في المنطقة دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه على أرضه. وهذا الموقف ليس وليد الظروف الحالية، بل امتداد لنهج هاشمي ثابت، يضع القضية الفلسطينية والقدس في صلب المسؤولية السياسية والتاريخية للأردن.أما في الشأن الداخلي، فقد حمل الخطاب رسائل تستحق أن يتوقف عندها مجلس الأمة والحكومة على حد سواء. فعندما يؤكد جلالة الملك أن الأمة مصدر السلطات، وأن مجلس الأمة ركن أساسي في الحياة السياسية، فإنه يضع أمام هذه المؤسسة مسؤولية تتجاوز إقرار القوانين إلى حماية المصلحة العامة، وممارسة الرقابة على الأداء الحكومي، والتعبير عن تطلعات المواطنين.وهنا تبرز عبارة مهمة في الخطاب، حين أشار جلالته إلى أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب. وهذه رسالة تستحق أن تُقرأ جيدًا؛ فالمواطن يريد مجلسًا يحترم عقله، ويحسن التعبير عن قضاياه، ويختلف أعضاؤه في الرأي دون أن تتحول الخلافات إلى خصومات أو مصالح شخصية.فالعمل النيابي ليس موقعًا اجتماعيًا، وإنما مسؤولية وطنية، والاختلاف في وجهات النظر يمكن أن يكون مصدر قوة، ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية.وفي الجانب الاقتصادي، وضع جلالة الملك المواطن في قلب الأولويات، مؤكدًا أن مصلحته يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه. وهذه من أهم الرسائل التي ينبغي أن تُترجم إلى عمل حكومي ملموس، فالتنمية لا تُقاس بعدد الخطط والمشاريع المعلنة، وإنما بما يشعر به المواطن في معيشته وفرص العمل والتعليم والصحة ومستقبل أبنائه.كما أن توجيه الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى، والاستمرار في مشاريع الأمن المائي، يعكس أهمية الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ. فالمياه ليست مجرد ملف خدمي، بل قضية أمن وطني ترتبط بحقوق الأجيال القادمة، وتتطلب إدارة بعيدة النظر وخططًا استباقية تحمي موارد الأردن.ومن أكثر الرسائل وضوحًا في الخطاب تلك المتعلقة بالوظيفة العامة وسيادة القانون. عندما يؤكد جلالة الملك أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا، فإنه يضع معيارًا واضحًا للمسؤولية العامة: المنصب تكليف لخدمة الناس، وليس امتيازًا يرفع صاحبه فوق المساءلة.وهذه الرسالة ينبغي أن تكون حاضرة في كل مؤسسة ودائرة حكومية، لأن هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون، ومن شعور المواطن بأن حقوقه مصانة، وأن الجميع أمام القانون سواء.وفي المقابل، لم يغفل الخطاب حق الأردنيين في التعبير عن آرائهم والتداول في الشأن العام، مؤكدًا أن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول. وهذه نقطة مهمة في مسيرة الحياة السياسية؛ فالوطن الذي يثق بوعي أبنائه لا يخشى الحوار، والاختلاف المسؤول لا يتعارض مع الانتماء، بل يمنح الحياة العامة مساحة أوسع للمشاركة والتصحيح.إن قراءة خطاب العرش بمجمله تضعنا أمام مسؤولية مشتركة؛ فالحكومة مطالبة بالإنجاز، ومجلس الأمة مطالب بالتشريع والرقابة، والإدارة العامة مطالبة بالنزاهة وخدمة المواطن، والمجتمع مطالب بالحفاظ على وحدته ووعيه.فالولاء للوطن لا يكون بالكلمات وحدها، كما أن المسؤولية لا تُقاس بالمواقع والألقاب، وإنما بما يقدمه كل فرد ومؤسسة في خدمة الأردن.وفي المحصلة، تبقى الرسالة الأهم أن الأردن لا يريد الاكتفاء بالصمود أمام التحديات، بل يريد مواصلة البناء والتحديث، وحماية أمنه، وتعزيز مكانته، وتحسين حياة أبنائه.الأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك هو وطن قوي بمؤسساته، عزيز بسيادته، متماسك بشعبه، عادل بقانونه، وقادر على أن يجعل مصلحة المواطن أساس قراراته.حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.
خطاب العرش.. ثوابت الدولة ومسؤولية المرحلة
مدار الساعة ـ