لم تكن الهوية الثقافية الأردنية يوماً طارئة على المكان، ولا وليدة صدفة عارضة؛ بل هي امتدادٌ لطبيعة أرضٍ رُويت مسيرتها بنبيل المبادئ والمآثر الإنسانية. ومنذ أشرقت شمس الثورة العربية الكبرى، ترسخت في وجدان الأردنيين معاني الحرية والكرامة والشهامة والتكافل، حتى تجلّى التنوع سرّ قوةٍ وتماسك، وغدت النخوة والعيش المشترك سجيةً راسخة عصيةً على كُلِّ الرياح العاتية.
ومن قلب هذه الأصالة، يفرض الجدل المجتمعي نفسه حول بعض المظاهر الوافدة، وفي مقدمتها الهالوين. وهو سجالٌ أبعدُ غوراً من مجرد تباينٍ في الذائقة الجمالية، أو مفاضلةٍ بين أنماط التسلية والترويح؛ إذ يضعنا مباشرةً أمام سؤالٍ مفصلي حول حدود الانفتاح الثقافي وكلفته الأخلاقية على النشء: هل نحن إزاء تفاعلٍ ناضجٍ مع العصر، أم انقيادٍ أعمى خلف استهلاكٍ ثقافي عابر؟ فليس كل ما يعجّ به الفضاء الرقمي ينسجم بالضرورة مع قيم مجتمعنا ومبادئه، والانفتاح على ثقافات العالم لا يعني -بأي حال- التخلي عن حقنا السيادي والوجودي في صون هويتنا الثقافية والذود عن خصوصيتنا.ويكتسب هذا النقاش بُعده الأخلاقي الثقيل حين نستحضر مشهداً يُجلّله النبل و يختزل الجوهر الأردني في أبهى صوره؛ مشهد فاجعة قرية حمود في محافظة الكرك، حين بادرت عائلاتٌ أردنيةٌ أصيلة إلى إلغاء مناسباتها وإيقاف كل مظاهر الفرح ثم تقاطرت من شتى مدن المملكة وقراها تضامناً مع أسر الشهداء الذين طالتهم يد الإرهاب الغاشم. لم يكن ذلك الموقف مجرد استجابة عاطفية طارئة، بل كان تعبيراً صادقاً عن ضمير جمعي حيّ، يرى أن قدسية الدم، ومواساة المكلومين، والتلاحم في السراء والضراء، تتقدم جميعها على كل مظاهر الفرح العابر هناك، تجسدت الهوية الثقافية سلوكاً وموقفاً ومسؤولية إنسانية أخلاقية.وهنا يغدو التساؤل مشروعاً ومستحقاً حول الدور الرقابي والمؤسسي، بل إنه يتحول إلى علامة استفهامٍ شاخصة بوجه الجهات المنظمة لمثل هذه الفعاليات المستوردة تحت غطاء تجاري بحت: أين القائمون على هذه الفعالية من مشاعر الأسرة الأردنية التي استشاطت غضباً إزاء هذا السلوك في مثل هذا الظرف الدقيق والحساس؟ وأين هم من فاجعةٍ وطنيةٍ لم يمضِ عليها أسبوع، ولا زال جرح الوطن فيها ينزف دماً وألماً؟ وما الذي قدمته هذه الفعالية للشباب والوطن سوى صدمةِ استهلاكٍ عابرة واستفزازٍ للضمير الجمعي؟ فالربح المادي، مهما تضخّمت مكاسبه، لا يجوز أن يتحول إلى بوصلة وحيدة في إدارة الفضاء العام، ولا ينبغي له أن يتقدم على الاعتبارات التربوية والضمير الثقافي للأمة. إن جسامة المسؤولية الوطنية تقتضي من الجهات المعنية وضع ضوابط صارمة وواضحة، توازن بدقة بين متطلبات الترفيه المنضبط وحصانة النشء وصون النسيج المجتمعي، بعيداً عن حسابات الربح الضيقة وغفلة الاستهلاك العابر.ولأن صقل الوعي الوطني لا يكتفي بالكلمات بل يتحقق في ميدان الفعل، تُمثّل المبادرات الوطنية الجادة حصناً منيعاً وركيزاً راسخاً للشباب؛ وفي طليعتها برنامج "خدمة العلم" الذي يحظى برعاية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد. فهذا المسار ليس مجرد تدريبٍ عسكريٍ مبرمج، بل هو إعادةٌ لصقل الشخصية وبناء الذات، وعودةٌ إلى ميادين الجيش العربي التي تعلّم الرجولة والوفاء وتغرس حب الوطن في النفوس، تماماً كما نهلنا منها ونشأنا على قيمها الشامخة. ونستحضر هنا الجوهر القيمّي لهذه التجربة كما لخّصه سموه بكلمات وازنة وبليغة حين خاطب أولى دفعات البرنامج قائلاً: نتعلم في الخدمة العسكرية الاحترام والتعاون، فنأكل معاً، ونتدرب معاً، وإذا سقط أحدنا ننهض معاً، مؤكداً سموه أن خدمة الوطن ليست مجرد واجب، بل هي شرف ومسؤولية نحملها جميعاً لنبني أردن المستقبل. وبهذا الوعي تتكامل الرؤية، ليغدو شبابنا الحصن المنيع لعماد الوطن وهويته.إن حماية هويتنا الثقافية ليست مهمةً حصراً على وزارتي الثقافة والشباب وباقي أجهزة الدولة، بل هي عقدٌ اجتماعي تتخلق نواته في البيت، وتترسخ في أروقة المدارس والجامعات ودور العبادة والمنابر الإعلامية. وفي زمن التحول الرقمي، لا يُقبل أن تُستنسخ ظواهر وافدة كـ "الهالوين" تحت ذرائع الترفيه؛ فهي تصرفاتٌ تتنافى جملةً وتفصيلاً مع قيمنا وعاداتنا الأصيلة، وتتصادم مع أعرافنا وديننا مسلمين ومسيحيين، اللذين التقت مقاصدهما على إعلاء قيمة الإنسان، وصون الكرامة والرزانة، ونبذ كل ما يمسّ الحياء أو يبتذل الضمير الأخلاقي.فالأوطان الحية لا تحمي هويتها الثقافية بإغلاق النوافذ، ولا تُحصّن أبناءها بالخوف من ثقافات العالم، بل بامتلاك البصيرة وبناء عقولٍ ناضجة قادرة على التمييز والاختيار، ونبذ كل ما يخدش وجداننا الجمعي. ليس المطلوب أن نعيش معزولين خارج العصر، بل أن ندخله بثبات المقتدرين وعزة العارفين بذواتهم: أردنيون بأصالتنا، منفتحون بعقولنا، وحُراسٌ أمناء للقيم التي صنعت روح هذا الوطن.بين حمود والهالوين.. أيّ القيم نحرس وأيّها نُورّث؟
د. يوسف المواضية
أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
بين حمود والهالوين.. أيّ القيم نحرس وأيّها نُورّث؟
د. يوسف المواضية
أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
أكاديمي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
مدار الساعة ـ