أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

متى تكون خيارا مناسبا؟


د. نضال المجالي

متى تكون خيارا مناسبا؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

لطالما كانت "فطنة الرجال" رمزًا للحكمة العملية والفراسة التي تُكتسب من التجربة، لا من الكتب، وكان الرجل يُقاس بثقله عند الشدائد، وبقدرته على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، حتى قيل: "الرجال مواقف"، فطنة الأجداد لم تكن تعتمد على نظريات ولا شهادات، بل على فهم عميق للنفس، ولطبيعة البشر، ولمجريات الحياة.

لكننا اليوم نعيش في زمن تغيّرت فيه الأدوات، وتبدّلت فيه معايير النجاح، لم تعد الفطنة وحدها تكفي، ولا يكفي أن تقول: "أنا تربيت بين الرجال"، أو "أنا ابن عشيرة". العالم بات أكثر تعقيدًا، والإدارة أصبحت علمًا قائمًا بذاته، يحتاج إلى أدوات ومعارف وخبرات تتجاوز حدود الفراسة والحدس.

ومع ذلك، لا زلنا نرى- ويا للأسف- بعض من يتصدرون المشهد الوظيفي أو القيادي لمجرد أنهم ينتمون لبيئة اجتماعية معينة، أو لأنهم عاشوا بين من يُظن أنهم "أهل فطنة"، أحدهم يتقلّد منصبًا حساسًا، وهو لا يفرّق بين الحزم والعناد، ولا بين الإدارة والتحكم، ثم يقول بثقة: "أنا أفهمها، أنا عشتها"، وكأن العيش في أجواء الرجولة يمنح تلقائيًا فطنة إدارية!

ما نراه على أرض الواقع أن بعض هؤلاء، ممن يُفترض أنهم أبناء بيئة فطنة، غابت عنهم أبجديات الإدارة، لا يعرف كيف يُخطط، ولا كيف يُتابع، ولا كيف يُقيّم أداء فريقه، يتخذ قراراته بعشوائية، ويُقرب من يشاء بناء على "الثقة" لا الكفاءة، ويظن أن الصراخ يعطيه هيبة، أو أن اللقب الإداري كفيل بأن يصنع له الاحترام.

في المقابل، نجد بعض المديرين ممن درسوا الإدارة وتخصصوا فيها، لكنهم يفتقرون للبُعد الإنساني، وللبصيرة التي تُعلم كيف تتعامل مع الناس، لا فقط مع الأرقام، يتقن النظام، ويجهل المروءة، ينجح في الورق، ويفشل في الميدان.

الحقيقة أن النجاح الحقيقي، خصوصًا في مواقع القيادة، لا يتحقق إلا بجمع الفطنتين معًا: فطنة الرجال التي تعلّم كيف تفهم النفوس وتتصرّف بحكمة وعدالة، وفطنة الإدارة التي تمنح أدوات النجاح والتخطيط والبناء.

ولا يُشترط أن يكون من بيئة معينة أو تحمل لقبًا عشائريًا أو سيرة عمل سياسية ليكون قائدًا ناجحًا، فالعبرة ليست بأين نشأت، بل بما تملكه من وعي وفهم واحتراف في إدارة المواقف والبشر، فكم من "ابن رجال" خذل الفطنة، وكم من مدير بسيط جمع بين العلم والحكمة، فسبقهم جميعًا.

في النهاية، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "كن ابن من شئت واكتسب أدبًا يغنيك محموده عن النسب! إن الفتى من يقول ها أنا ذا، ليس الفتى من يقول كان أبي"، فلا تُقاس الفطنة بكثرة المجالس ولا بعُمر التجربة فقط، بل بقدرة الشخص على اتخاذ القرار الصحيح، في الوقت الصحيح، وبالأسلوب الصحيح، ومن لا يملك هذه المعادلة، فوجوده في موقع المسؤولية خطر لا أكثر، ولنا في كثير ممن تقلدوا أو ما زالوا على رأس مجالسهم وعملهم من تلك الفئة ألف شاهد، ولا أطلب سوى أن يسأل كل من يعلم نفسه في خلوتها: أين أنا من كل ذلك؟ لتجبك. ونسأل في المقابل من يختار شخوص المناصب في إدارة الشأن العام: هل أنت أو من اخترت ضمن أي معادلة صادقت على الاختيار؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ