أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدكتور عاصم برقان.. رحل صاحب الرسالة وبقي الدرس

مدار الساعة,مقالات,الملك عبدالله الثاني
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - بقلم: بيان صبحه - وداعا لمعلم جسد بأخلاقه أسمى معاني الإنسانية وترك في طلابه إرثًا من القيم لا يطويه الغياب…

لم تكن فاجعة الكرك يوم الثالث والعشرين من تشرين الأول خسارةً لعائلات الضحايا وحدها؛ بل وجعًا أصاب الأردن بأكمله، أتقدّم بخالص العزاء إلى ذوي جميع الضحايا و أتمنى الشفاء العاجل للمصابين، وأخصّ بالذكر أستاذي الأستاذ الدكتور عاصم برقان الذي لم يكن بالنسبة إليّ مجرد أستاذ جامعي بل سندًا وأبًا روحيًا، وإنسانًا ترك في حياتي أثرًا لا يُنسى.

أتذكر إحدى محاضراته حين روى لنا كيف سأَل والده في طفولته عن الفرق بين المسلم والمسيحي، فأجابه ببساطة: المسلم يصلّي في المسجد، والمسيحي يصلّي في الكنيسة؛ بقيت هذه القصة عالقة في ذاكرتي لأنها اختصرت فكرًا آمن به الدكتور عاصم وجسّده في مواقفه: أن الاختلاف لا ينتقص من إنسانيتنا وأن احترام الآخر لا يحتاج إلى تشابه في المعتقد.

كان كثير الحديث عن العيش بسلام مستشهدًا بالآيات القرآنية ومعانيها ولم تكن هذه المبادئ حبيسة المحاضرات؛ فقد كان داعمًا لطلابه قريبًا منهم، حريصًا على مشاركتهم مناسباتهم؛ وما زلت أذكر معايداته لنا في شهر رمضان والأعياد الإسلامية وكم كانت تلك المبادرات البسيطة في ظاهرها عميقة في معناها؛ إذ عبّرت عن محبة صادقة واحترام يتجاوزان اختلاف الدين، لم يكن يتحدث عن العيش المشترك فحسب، بل كان يمارسه في تفاصيل حياته ويمنح طلابه شعورًا بأنهم عائلته وأن اختلافهم لا ينتقص من مكانتهم لديه.

وفي مواجهة هذه الفاجعة أكد جلالة الملك عبدالله الثاني أن أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر وشدد على محاسبة المتورطين وفق القانون، مؤكدًا أن هذه الأعمال لن ترهب الأردن ولن تنال من وحدته الوطنية؛ كما أكد ضرورة التصدي للشائعات وكل ما من شأنه إثارة الفتنة ومواجهة الفكر المتطرف بما يصون أمن الوطن ويحمي أبناءه.

فالإرهاب لا دين له ولا يجوز أن تُحمَّل الأديان أو أتباعها مسؤولية أفعال إجرامية يرتكبها أفراد؛ فالجريمة تُدان بذاتها ويُحاسَب مرتكبوها وفق القانون، أما تحويلها إلى سبب للكراهية والانقسام فهو إساءة أخرى لقيم الإنسانية التي نحتاج إلى حمايتها، وهذا ما يجعل رسالة الدكتور عاصم في العيش المشترك أكثر حضورًا اليوم فالوحدة الوطنية لا تُصان إلا بالعدل واحترام كرامة الإنسان أيًّا كان دينه.

إن الوفاء لضحايا الكرك وللدكتور عاصم تحديدًا يقتضي ألّا نسمح للجريمة بأن تتحول إلى فتنة؛ فالأردن يجمع أبناءه بالمواطنة والانتماء وتصان وحدته بالعدالة واحترام الإنسان.

رحمك الله يا دكتور عاصم، ورحم جميع الضحايا، قد ننسى بعض ما نتعلمه في قاعات الجامعة لكننا لا ننسى أستاذًا علّمنا كيف نكون بشرًا قبل كل شيء.

ستبقى قصتك حاضرة في ذاكرتي، وسيبقى الوفاء لك أن نحمل من بعدك القيم التي آمنت بها.

إنا لله وإنا إليه راجعون


مدار الساعة ـ