أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الشرق الأوسط يحترق.. هل تصبح دماء الشعوب وقودًا لإنقاذ ترامب ونتنياهو سياسيًا؟


أ.د. محمد تركي بني سلامة

الشرق الأوسط يحترق.. هل تصبح دماء الشعوب وقودًا لإنقاذ ترامب ونتنياهو سياسيًا؟

مدار الساعة ـ

مرة أخرى، يقف الشرق الأوسط على حافة انفجار جديد، وتُقرع طبول الحرب في منطقة لم تكد تلتقط أنفاسها من صراعاتها المتلاحقة. والأشد إثارة للغضب أن مصائر ملايين البشر باتت معلقة بحسابات سياسية وانتخابية لقادة قد يجدون في التصعيد العسكري وسيلة للهروب من أزماتهم الداخلية، وكأن دماء الشعوب وأمن الدول واستقرار الاقتصاد العالمي مجرد أوراق في لعبة السلطة والنفوذ.

إن التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تجاه إيران يثير سؤالًا بالغ الخطورة: هل نحن أمام ضرورات أمنية حقيقية، أم أمام حرب تتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية مع حسابات البقاء السياسي؟

في إسرائيل، جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة لتكشف مأزق بنيامين نتنياهو. فرغم تصدر حزب الليكود، لم يحصل معسكره سوى على 53 مقعدًا، بعيدًا عن الأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعدًا. وهكذا، لم يتحقق الانتصار السياسي الذي كان نتنياهو يتطلع إليه، وبات مستقبله السياسي مرهونًا بمفاوضات ائتلافية معقدة. وفي مثل هذه الظروف، يبرز التساؤل المشروع: هل يمكن أن يصبح التصعيد مع إيران وسيلة لإعادة توحيد الداخل الإسرائيلي حول خطاب الخطر الخارجي، وتحويل الاهتمام بعيدًا عن مأزق تشكيل الحكومة؟ إنه احتمال يستحق الفحص، لا حقيقة مثبتة بشأن دوافع نتنياهو.

أما في الولايات المتحدة، فتأتي هذه التطورات قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر، وسط مؤشرات استطلاعية على تراجع شعبية ترامب وضغوط انتخابية تواجه الحزب الجمهوري. وهنا يتجدد السؤال: هل يمكن أن تتحول المواجهة الخارجية إلى أداة لاستعادة المبادرة السياسية داخليًا؟ وهل يُعقل أن يُعرَّض أمن منطقة بأكملها للخطر في سبيل مكاسب انتخابية محتملة؟

إن الخشية الكبرى هي أن يجد ترامب ونتنياهو في التصعيد فرصة لتحقيق مكاسب سياسية شخصية، بينما تتحمل الشعوب فاتورة المغامرة. غير أن الحرب لا تمنح أحدًا انتصارًا مضمونًا، وقد تنقلب حساباتها على من أشعلها.

أما دول الخليج العربي، فهي المرشحة لتكون الخاسر الاستراتيجي الأكبر. فهذه الدول التي أنفقت عقودًا في بناء اقتصادات حديثة، وتنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات، تجد نفسها أمام احتمال تعرض أمنها ومنشآتها الحيوية وممراتها التجارية للخطر. والمفارقة المؤلمة أن الحليف الأمريكي، الذي يُفترض أن يوفر مظلة الحماية، قد تصبح خياراته العسكرية مصدرًا مباشرًا لتهديد أمن حلفائه.

وهنا يبرز سؤال أكثر إزعاجًا: هل تسهم هذه السياسات في تعزيز استقلال دول الخليج وأمنها، أم أنها تعيد إنتاج اعتمادها الأمني على واشنطن، وتُبقيها أسيرة منظومة هيمنة لا تملك السيطرة على قراراتها المصيرية؟

والكارثة لن تتوقف عند حدود الخليج. فمضيق هرمز وباب المندب يمثلان شريانين حيويين للطاقة والتجارة الدولية، وأي تعطيل واسع لحركة الملاحة فيهما سيطلق موجات من ارتفاع أسعار النفط والغاز، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد التضخم، وتراجع النمو الاقتصادي. ولن تكون أوروبا أو الصين أو اليابان أو الهند بعيدة عن التداعيات، فالعالم مترابط اقتصاديًا إلى درجة تجعل الحرب في الخليج أزمة عالمية بامتياز.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: أين الصين، القوة الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة؟ وأين اليابان التي يرتبط أمنها الاقتصادي بإمدادات الشرق الأوسط؟ وأين أوروبا التي ترفع شعارات القانون الدولي والدبلوماسية والتعددية؟ ولماذا لا نرى تحركًا دوليًا جماعيًا بحجم الخطر؟

صحيح أن بعض هذه القوى أطلقت مبادرات وتصريحات دبلوماسية، لكن السؤال يتعلق بمدى فاعليتها وقدرتها على منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. إن الاكتفاء بالبيانات والتحذيرات، إذا استمر التصعيد، لن يكون كافيًا لحماية الاقتصاد العالمي أو إنقاذ أرواح الأبرياء.

ولا يجوز، في المقابل، إعفاء القيادة الإيرانية من مسؤوليتها. فالتصلب السياسي، ورفض فرص التسوية السلمية الجادة، والاعتماد على منطق المواجهة، كلها خيارات قد تزيد عزلة إيران وتضاعف معاناة شعبها. وعلى طهران أن تدرك أن حماية السيادة لا تعني إغلاق أبواب الدبلوماسية، وأن تجنب الحرب ليس تنازلًا عن الكرامة الوطنية، بل تعبير عن الحكمة والمسؤولية.

إن الأخطر من الدمار المادي هو الدمار الذي يلحق بالقانون الدولي. فعندما تصبح القوة بديلًا عن التفاوض، والتهديد العسكري وسيلة لفرض الإرادات، تتراجع قيم العدالة والسيادة والتعاون الدولي، ويتحول النظام العالمي إلى ساحة يتغلب فيها منطق القوة على قوة القانون.

لقد سئمت شعوب الشرق الأوسط الحروب، ودفعت من دمائها وثرواتها ومستقبل أبنائها ما يكفي. ومن حقها أن تعيش في أمن وسلام، وأن تُنفق مواردها على التعليم والصحة والتنمية، لا على الصواريخ والدمار.

إن الشرق الأوسط ليس ساحة لإنقاذ مستقبل ترامب الانتخابي، ولا ميدانًا لترميم موقع نتنياهو السياسي، ولا مختبرًا لصراعات القوى الكبرى. ومن يظن أن بإمكانه إشعال الحرب والتحكم في نهايتها، عليه أن يتذكر أن النيران حين تشتعل لا تميز بين من أشعلها ومن وقف يتفرج عليها.

فكفى حروبًا باسم الأمن، وكفى تدميرًا باسم الردع، وكفى استباحة لمستقبل الشعوب باسم المصالح الاستراتيجية.

مدار الساعة ـ