أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجذور الفكرية والفقهية للتكفيريين.. من خوارج الأمس إلى دواعش العصر


جهاد المساعدة

الجذور الفكرية والفقهية للتكفيريين.. من خوارج الأمس إلى دواعش العصر

مدار الساعة ـ

لم يولد التكفيريون يوم حملوا البنادق، ولم تبدأ جرائمهم حين أطلقوا الرصاص على الأبرياء؛ فقد سبقت الرصاصةَ فتوى، وسبق الفتوى تأويلٌ فاسد، وسبق التأويل عقلٌ استبدّ به الجهل حتى توهّم أنه وحده يملك الحقيقة، وأن الله لم يخلق الناس إلا ليحاكمهم على مقاس فهمه للدين.

إن أخطر ما في الفكر التكفيري ليس السلاح الذي يحمله أصحابه، بل العقل الذي يوجّهه، والعقيدة المنحرفة التي تمنح القاتل شعورًا زائفًا بالقداسة، حتى يصبح سفك الدماء في نظره عبادةً، وإقصاء المخالف جهادًا، والاعتداء على الأبرياء طريقًا إلى الجنة.

لقد ارتكب التكفيريون جريمتهم الأولى حين نصّبوا أنفسهم أوصياء على إيمان البشر، وجعلوا تأويلاتهم البشرية أحكامًا إلهية لا تقبل النقاش. ثم ارتكبوا جريمتهم الثانية حين انتقلوا من الحكم على الأفكار إلى الحكم على الضمائر، ومن تكفير المخالف إلى استباحة دمه.

ولم تكن هذه النزعة وليدة عصرنا؛ فقد شهد التاريخ الإسلامي، منذ الفتنة الكبرى، بدايات خطيرة لتوظيف الشعارات الدينية في الصراعات السياسية. ففي سنة 35 للهجرة، قُتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه على أيدي متمردين حاصروه في داره بالمدينة المنورة.

ثم ظهر الخوارج في عهد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عقب معركة صفين وقضية التحكيم، ورفعوا شعار لا حكم إلا لله، حتى قال علي رضي الله عنه في وصف هذا الشعار حين أُريد به الباطل: كلمة حق أُريد بها باطل.

وبلغ الغلو ببعض الخوارج حد استباحة دماء المسلمين، حتى اغتال عبد الرحمن بن ملجم، أحد الخوارج، الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الكوفة سنة 40 للهجرة.

فأي انحراف أشد من أن يتوهم قاتل أحد كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتقرب إلى الله بجريمته؟ وأي عمى أشد من أن يرى المرء في قتل المسلم طاعةً، وفي استباحة دمه فضيلةً؟

وهنا يتضح أن اغتيال علي رضي الله عنه قد مثّل صورة صارخة للغلو الذي جعل بعض الخوارج يستبيحون دماء مخالفيهم باسم الدين.

ومن هذه الزاوية يمثل تنظيم داعش امتدادًا فكريًا ومنهجيًا معاصرًا للغلو والتكفير الذي تجلّى لدى غلاة الخوارج.

فقد تغيرت الأسماء والرايات والأسلحة، وبقي المنطق المنحرف حاضرًا: احتكار الحقيقة، وتكفير المخالف، وتجريده من حقوقه، ثم تبرير الاعتداء عليه باسم الدين.

لقد جعل التكفيريون من الإيمان ملكيةً خاصةً، ومن الجنة إقطاعًا يتصرفون فيه، ومن الفتوى سلاحًا يُشهر في وجوه الناس. فمن وافقهم كان عندهم على الحق، ومن خالفهم أصبح موضع اتهام، ومن رفض الخضوع لسلطانهم تعرّض للتكفير والعقاب.

وهكذا تحوّل الدين، في فكرهم الفاسد، من رسالة تهدي الإنسان إلى سلطة تُحاكم ضميره، ومن منظومة تضبط العدوان إلى ذرائع تبرره.

والانحراف هنا ليس في وجود أحكام شرعية تتعلق بالإيمان والكفر، بل في تجاوز ضوابطها، ومصادرة حق العلماء المؤهلين في بحثها، وتحويلها إلى أحكام جماعية يصدرها الجهلة والمتعصبون.

فقد ميّز العلماء بين الحكم على القول أو الفعل وبين تكفير الشخص المعيّن، ووضعوا لذلك شروطًا وموانع تتصل بالعلم والقصد والتأويل والإكراه، بحسب المسألة وأحكامها. أما التكفيريون، فقد قفزوا فوق هذه الضوابط، وأقاموا لأنفسهم محاكم لا تعرف التثبت، ولا تسمع الدفاع، ولا ترى في الاختلاف إلا تهمة تستوجب العقاب.

وما أخطر أن يصبح الجهل قاضيًا، والتعصب شاهدًا، والسلاح منفذًا للحكم!

لقد انتزعوا من التراث ما يخدم غلوهم، وأهملوا ما يقيّد عدوانهم؛ استدعوا أحكام القتال وغيّبوا ضوابطه، وتوسعوا في مسائل الردة وأعرضوا عن شروطها، واستحضروا نصوص الوعيد وتجاهلوا حرمة الدماء.

قرأوا من الفقه ما يبرر سلطانهم، وتركوا منه ما يكشف بطلان منهجهم.

ثم جعلوا من الولاء والبراء وسيلة لتمزيق المجتمعات، ومن الحاكمية ذريعة لتكفير الأنظمة والمؤسسات، ومن الجهاد عنوانًا لحروبهم على المسلمين وغير المسلمين، حتى غدا المواطن في نظرهم متهمًا، والجندي مرتدًا، والمخالف عدوًا، والمجتمع كله موضع اشتباه ما لم يخضع لسلطتهم.

وهنا تظهر بشاعة المنهج؛ فهو لا يكتفي برفض التعدد والاختلاف، بل يريد إلغاء حق الآخرين في الوجود، ويجعل من نفسه الخصم والحكم والجلاد.

وحين أعلن تنظيم داعش خلافته المزعومة عام 2014، كشف هذا المنهج عن وجهه الأكثر توحشًا؛ فأقام سلطة تحتكر الفتوى والقضاء، وتصدر أحكام التكفير، وتمنح جرائمها غطاءً دينيًا مزعومًا، حتى أصبح القتل عندها ممارسةً منظمةً، لا مجرد انحراف فردي.

ولم يسلم أتباع التنظيم أنفسهم من هذا الوباء؛ فقد اختلف منظّروه حول العذر بالجهل وتكفير من لا يكفّر غيره، وانتهى الخلاف إلى اتهامات متبادلة بالكفر وتصفيات داخلية.

إنه فكر يأكل أبناءه؛ لأن من يجعل التكفير معيارًا للإيمان لا بد أن يأتي يومٌ يجد فيه من هو أشد منه غلوًا، فيكفّره بالمنطق نفسه الذي استخدمه ضد الآخرين.

غير أن خطورة هذا المنهج لا تقتصر على القتل، بل تمتد إلى تشويه الدين، وإفساد العقول، وتمزيق المجتمعات، وتحويل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى عداوة مستحكمة.

فالتكفيري لا يعلّم الإنسان كيف يفكر، بل يلقّنه ما يجب أن يعتقده؛ ولا يفتح له باب المعرفة، بل يغلق عليه منافذ السؤال؛ ولا يربيه على احترام الدليل، بل على الخضوع لمن يحتكر تفسيره.

إنه يريد مجتمعًا بلا اجتهاد، وعقولًا بلا نقد، وأتباعًا بلا إرادة؛ لأن السؤال يهدد سلطته، والعلم يفضح جهله، والحرية تكشف هشاشة يقينه.

وحين يعجز عن إقناع الناس بفكره، يلجأ إلى إرهابهم بسلاحه، وحين تفشل حجته، يستنجد بالعنف، كأن الرصاصة تستطيع أن تحول الباطل إلى حق، أو أن تمنح الجهل منزلة العلم.

ولهذا فإن هزيمة التنظيمات الإرهابية عسكريًا، على ضرورتها، لا تعني القضاء على الفكر التكفيري؛ فقد تسقط الرايات وتتبدل الأسماء، ويبقى المنهج قادرًا على إنتاج جماعات جديدة، ما دامت العقول تتلقى الغلو باسم الدين، والكراهية باسم الولاء، والعدوان باسم الجهاد.

وهنا تتجلى أهمية التجربة الأردنية، وفي مقدمتها رسالة عمّان التي أُطلقت عام 2004، وما تلاها من توافق العلماء عام 2005 على مبادئ تؤكد الاعتراف بالمذاهب الإسلامية المعتمدة، وترفض تكفير أتباعها، وتضبط الإفتاء بأهله وشروطه.

لقد واجهت رسالة عمّان أحد أخطر منابع التطرف، حين أكدت أن الإيمان ليس ملكًا لجماعة، وأن الفتوى ليست سلاحًا في يد كل متعصب، وأن الاختلاف المذهبي لا يبيح الاعتداء على الإنسان.

لكن المعركة الفكرية لا تُحسم بالوثائق وحدها؛ بل تحتاج إلى مناهج تعليمية تبني الوعي، وخطاب ديني يمتلك العلم والشجاعة، ومؤسسات ترفض خطاب الكراهية، وثقافة تُعلّم الإنسان أن الثقة بعقيدته لا تستلزم احتقار الآخرين أو مصادرة حقوقهم.

إن أخطر التكفيريين ليس بالضرورة من يحمل البندقية، بل من يزرع في عقل حاملها أن المخالف لا يستحق الحياة، وأن الجريمة طاعة، وأن الرحمة ضعف، وأن قتل الأبرياء سبيل إلى رضا الله.

فالبندقية قد تُصادر، والخلية قد تُفكك، والتنظيم قد يُهزم؛ أما الفكرة التي تجعل القاتل يتوهم أنه يؤدي واجبًا مقدسًا، فإنها تبقى خطرًا ما لم تُواجه بالحجة والعلم والعدل.

لقد كانت جريمة التكفيريين الكبرى أنهم حوّلوا اختلاف الفهم إلى اتهام في العقيدة، ثم حوّلوا الاتهام إلى حكم بالإعدام، ونصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله على الأرض.

وما أشدها من كارثة حين يصبح الجاهل مفتيًا، والمتعصب قاضيًا، والقاتل منفذًا لإرادة الله في زعمه!

إن الدين الذي جعلوا من أنفسهم حراسًا عليه لم يكن بحاجة إلى بنادقهم، والحق الذي ادّعوا احتكاره لا تثبته جرائمهم، والإيمان الذي يزعمون الدفاع عنه لا يكتسب قوته من دماء الأبرياء.

فليس أخطر على الدين من جاهل يسيء فهمه إلا جاهل يحمل السلاح ويعتقد أن جهله وحي من السماء.

مدار الساعة ـ