الأردن وطن واحد، ومواطنة واحدة، ومستقبل يجمع الجميع
من الفكر الوطني إلى مشروع الدولة في مواجهة التطرف والانقسامالأردن قوي بشعبه وقيادته الحكيمه منذ تاريخه ناشئته لكن قوة الدول لا تقاس بما تمتلكه من أجهزة أمنية فحسب، ولا بقدرتها على مواجهة الخطر بعد وقوعه، بل بقدرتها على بناء الإنسان الواعي، وترسيخ ثقافة المواطنة، وصناعة مجتمع يؤمن بأن الوطن أكبر من كل انقسام، وأن الاختلاف في الدين والمعتقد لا يمكن أن يكون سببًا للفرقة أو الانتقاص من الحقوق.إن الأردن، بتاريخه الوطني وتماسك مجتمعه وتنوع مكوناته، يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من الاكتفاء بإدارة الأزمات إلى بناء مشروع وطني متكامل، يجعل من المواطنة أساسًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن سيادة القانون ضمانة لكل مواطن، ومن الثقافة والتعليم أدوات استراتيجية لحماية الأجيال من التطرف والتعصب.عندما نعود إلى كتاب «نشوء الأمم» للمفكر أنطون سعاده، نجد محاولة لفهم الأمة باعتبارها نتاجًا للتاريخ والجغرافيا والاجتماع والمصالح المشتركة، لا مجرد تجمع عابر للأفراد.وهنا تكمن أهمية الفكرة الوطنية الجامعة؛ فالمجتمع لا يصبح قويًا بإلغاء اختلافاته، بل بتحويل هذا الاختلاف إلى مصدر غنى، ضمن دولة تحمي الجميع وتساوي بينهم أمام القانون.فلا وطن يقوم على مواطنة متفاوتة، ولا دولة قوية إذا شعر بعض أبنائها بأن حقوقهم أقل من حقوق غيرهم.الأردن ليس جماعتين ولا طائفتينلقد أثبتت التجربة الأردنية أن قوة المجتمع تكمن في روابطه الوطنيه والعائليه والعشائريّة، وفي قدرة أبنائه على الوقوف معًا في مواجهة التحديات. وهذه الروابط يجب أن تكون رافعة للوحدة الوطنية، لا بديلًا عن مؤسسات الدولة والقانون.إننا لا نريد أردنيين تجمعهم الجغرافيا وتفرّقهم المخاوف، ولا مواطنين يتعاملون مع بعضهم باعتبارهم جماعات متقابلة، بل شعبًا واحدًا تجمعه المواطنة والكرامة والمسؤولية المشتركة.المسلم والمسيحي، ابن العشيرة وابن المدينة، ابن القرية وابن المخيم، جميعهم شركاء في هذا الوطن، وجميعهم يستحقون الحماية والعدالة والفرص المتكافئة.نحن الأردنيون، لا جماعتين ولا طائفتين؛ وطن واحد، ودولة واحدة، وحقوق لا تتجزأ.وعندما يتعرض أي مواطن للظلم أو التهديد بسبب هويته أو معتقده، فإن القضية لا تخص جماعته وحدها، بل تمسّ الدولة والمجتمع بأكمله. فالعدالة التي تحمي فردًا اليوم هي الضمانة التي تحمي الجميع غدًا.(من مواجهة التطرف إلى بناء الوعي)إن مواجهة التطرف لا يمكن أن تبقى مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، على أهمية دورها في حماية الأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي يبدأ قبل وقوع الجريمة، عندما نحصّن عقول الشباب من الكراهية، ونمنحهم المعرفة والقدرة على التفكير، ونفتح أمامهم أبواب المشاركة والعمل والأمل.ومن هنا، نحتاج إلى مشروع وطني متكامل يقوم على خمسة مسارات:أولًا: التعليم والتنوير. تطوير الخطاب التربوي والثقافي بما يعزز التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، ورفض التحريض والكراهية.ثانيًا: خطاب ديني مسؤول. ترسيخ خطاب يواجه التعصب، ويحترم كرامة الإنسان، ويؤكد أن الاختلاف في المعتقد لا يبرر الاعتداء أو الإقصاء.ثالثًا: سيادة القانون. تطبيق القانون بعدالة وحزم على الجميع، ومحاسبة كل من يعتدي على الآخرين أو يحرّض عليهم، دون تمييز أو انتقائيةاو محسوبيهرابعًا: مشاركة الشباب. نقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صياغة السياسات العامة، من خلال الأحزاب والجامعات والمؤسسات الثقافية والمبادرات المجتمعية ودعم الشباب والاهتمام لاولوياتهم واحتياجاتهمخامسًا: مسؤولية الإعلام والمؤسسات العامة. بناء خطاب وطني يرفض تأجيج الانقسامات، ويعالج أسباب التطرف، ويمنح الثقة للمواطن بأن الدولة تسمعه وتحمي حقوقه.هذه المسارات ليست بديلًا عن الأمن، بل هي استثمار في أمن أكثر استدامة؛ أمن يحمي المجتمع بالقانون، ويحصّنه بالوعي، ويقوّيه بالعدالة.و من الألم إلى مشروع وطنيإن الأحداث المؤلمة التي شهدها الأردن، ومنها فاجعة الكرك، يجب أن تدفعنا إلى مراجعة أعمق من مجرد الإدانة والتعاطف. فالواجب الوطني يقتضي احترام الضحايا، ومساندة المصابين وأسرهم، وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، ثم تحويل الألم إلى مراجعة جادة لسبل الوقاية من التطرف وحماية المجتمع.لا يجوز أن ينتهي الاهتمام بانتهاء الخبر، ولا أن تبقى وحدة الأردنيين مجرد عبارة نرددها في الأزمات. المطلوب أن تتحول هذه الوحدة إلى سياسات ومناهج وممارسات يومية، يشعر المواطن من خلالها أن كرامته مصونة، وأن حقه في الحياة والأمان والعدالة ليس موضع تفاوض.ومن هنا، فإن دماء الضحايا يجب أن تكون دافعًا لمشروع حياة، لا وقودًا لمزيد من الانقسام؛ وأن يكون الحزن بداية لمسؤولية وطنية مشتركة، لا مناسبة لتبادل الاتهامات أو تعميق المخاوف.مسؤولية الدولة ومسؤولية الأحزابإن الدولة القوية لا تكتفي بإعلان رفض التطرف، بل تضع خطة واضحة لمواجهته، بمؤشرات قابلة للقياس، ومسؤوليات محددة، وتعاون حقيقي بين مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والشباب والأمن.كما أن للأحزاب السياسية دورًا لا يقل أهمية؛ فهي ليست منصات للمنافسة الانتخابية وحدها، بل مؤسسات لصناعة الوعي، وتدريب القيادات الشابة، وتقديم البدائل، ومراقبة السياسات العامة، والدفاع عن المواطنة المتساوية.ومن واجب العمل الحزبي الوطني أن ينتقل من الشعارات إلى المبادرات، ومن ردود الفعل إلى البرامج، وأن يطرح حلولًا عملية تعزز الثقة بين المواطن والدولة، وتمنح الشباب دورًا حقيقيًا في بناء المستقبل.إن الأردن يحتاج اليوم إلى شراكة وطنية تجمع الدولة والأحزاب والمدارس والجامعات والمرجعيات الدينية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، ضمن رؤية واحدة: حماية الإنسان الأردني وتعزيز انتمائه لوطنه، دون إلغاء خصوصيته أو الانتقاص من حقوقه.الخاتمة: وطن يتسع للجميعإن أعظم انتصار على التطرف ليس أن نهزمه أمنيًا فقط، بل أن نجعل أفكاره عاجزة عن اختراق المجتمع؛ أن نبني جيلًا يعرف أن الاختلاف ليس عداوة، وأن المواطنة ليست منّة، وأن الدولة ليست ملكًا لفئة، بل إطار جامع لجميع مواطنيها.الأردن يستحق مشروعًا وطنيًا يربط الأمن بالعدالة، والتعليم بالتنوير، والانتماء بالمشاركة، والهوية الوطنية باحترام التنوع. الأردن وطن واحد، ومواطنة واحدة، ومستقبل يجمع الجميع.هذه ليست مجرد عبارة للاستهلاك السياسي، بل عهد يجب أن يتحول إلى ممارسة، وسياسة عامة، وثقافة راسخة في مؤسسات الدولة والمجتمع.ومن هنا نبدأ: ببناء الإنسان، وترسيخ العدالة، وتحصين الوعي، وحماية كرامة كل أردني.فالدولة التي تجمع أبناءها بالعدالة أقوى من كل انقسام، والوطن الذي يحمي الجميع أقدر على مواجهة كل تطرففالأردن ليس وطنًا يجمعنا فحسب، بل هو جذورنا وكرامتنا ومستقبل أبنائنا، نحن ابناء وطن واحد هذه نشأتنا وإرث اجدادنا وقيمنالا نريد أردنيين تجمعهم الجغرافيا وتفرّقهم المخاوف
د. معتز جريسات
عضو مكتب سياسي حزب مبادرة
عضو مكتب سياسي حزب مبادرة
مدار الساعة ـ