خلال الأسبوع الماضي، تكشفت لنا أنياب خلايا نائمة على الأرض، وأخرى مستيقظة على منصات التواصل الاجتماعي.
إرهاب الخطاب لمن يدرك خطورته، أشد ضررًا من إرهاب البندقية، فتلك تصيب أفرادًا، وذاك يستهدف مجتمعًا بأسره!لقد حولت الفاجعة التي وقعت في كنيسة حمود بالكرك الأردن كله إلى بيت عزاء، والأردنيون جميعًا أهل الفقيد، ودم الضحايا وجعًا مشتركًا لا تسأل فيه القلوب عن دين صاحبها قبل أن تحزن عليه.. فمن أين جاء هؤلاء الذين أرادوا تحويل المأساة إلى متراس، والدمعة إلى خندق، والضحايا إلى وقود معركة لا تخدم إلا أعداء الوطن؟إنهم تجّار المواسم السياسية، الذين اعتادوا امتطاء صهوة المأساة، واتخاذ دماء الضحايا منبرًا لبث الكراهية وإثارة النعرات، في مشهد لا يكشف عن ضيق أفق فحسب، بل عن استخفاف خطير بوحدة المجتمع وحرمة دم أهله.وهنا، لا بد من قول الحقيقة بلا مواربة: إن من يتعمّد التحريض على الفتنة بين الأردنيين، ويسعى إلى شق صفهم وإشعال العداء بين مكوناتهم، يرتكب جريمة أخلاقية ووطنية لا تقل خطورة عن الأفعال التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، فالإرهابي يوجه رصاصته إلى جسد بريء، والمحرض يوجه سمومه إلى جسد الوطن.. قد يختلف السلاح، لكن كليهما يهدد حياة الناس وأمنهم، كل بطريقته.لقد شاهد العالم كيف كان الأردن من رأس الدولة إلى أبسط مواطنيه، شريكًا في الحزن والغضب والإدانة، ولم تكن هذه المواقف مجاملةً عابرة، بل تعبيرًا عن حقيقة راسخة بأن الاعتداء على أي أردني هو اعتداء على الأردنيين جميعًا، وأن حرمة الدم لا تتبدل بتبدّل الدين أو مكان العبادة.فالمسيحي الأردني، ليس أقل أردنيةً من أخيه المسلم، والمسلم ليس أكثر انتماءً إلى وطنه من أخيه المسيحي، فالأردنية ليست حصةً دينية، والمواطنة ليست امتيازًا تمنحه فئة لأخرى، والوطن ليس ملكيةً خاصة لأحد، إنهما شريكان في الأرض والتاريخ والمصير، تجمعهما المواطنة وتصونهما الدولة، ولا يملك أحد حقّ التفريق بينهما أو التشكيك في انتماء أي منهما.أما الذين يتخذون من الجرائم منابر لإيقاظ الفتنة، فهم لا ينتصرون لدين ولا يدافعون عن وطن، بل يقدمون، بوعي أو بغير وعي، خدمةً لأهداف الإرهاب نفسه، فالإرهاب لا يكتمل أثره بسقوط ضحاياه، بل حين ينجح في تحويل المجتمع إلى "جماعات متوجسة"، ويزرع الشك حيث كانت الثقة، والعداء حيث كان التآخي.إن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيه، بل تشمل التصدي لخطاب الكراهية والتحريض، ومحاسبة من يتجاوز حدود حرية التعبير إلى تهديد السلم المجتمعي، وفق القانون، فحرية الرأي حق، أما التحريض على الفتنة فليس رأيًا بريئًا، ولا يجوز الاحتماء بحرية التعبير لتبرير العبث بوحدة الوطن.على هؤلاء الخفافيش أن يدركوا أن دماء الضحايا ليست سلعةً في سوق السياسة، وأن وجع الأردنيين ليس فرصةً لتصفية الحسابات، وأن الكرك لم تكن فاجعتها حزنًا لفئة دون أخرى، بل جرحًا في قلب الأردن كله.لقد أراد المجرمون أن يقتلوا الأبرياء، وأراد المحرّضون أن يستثمروا الدم لزرع الفرقة، ولن نسمح للأول بأن ينتزع أمننا، ولا للثاني بأن ينال من وحدتنا.فالأردن أكبر من أصوات الفتنة، وأرسخ من رهانات المحرّضين، وأقوى من كل محاولة لشق صف أبنائه، وستبقى وحدته خطًا أحمر، لا لأن أحدًا يفرض ذلك بشعار، بل لأن الأردنيين، بمسلميهم ومسيحييهم، يعرفون أن الوطن الذي يتقاسمون ترابه ومصيره لا يتسع للكراهية، ولا يقبل أن تتحول دماء أبنائه إلى وقود لمشاريع انقسام.إرهاب الخطاب أشد ضررًا من إرهاب البندقية
مدار الساعة ـ