أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المثل في القرآن الكريم أداته للتعليم والتأثير.. عن بلاغة التمثيل القرآني في عجز المعبودات

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -المثل في القرآن الكريم: أداته للتعليم والتأثير

يُعدّ المثل في القرآن الكريم أحد وسائل التعليم والتأثير والإقناع التي سلكها القرآن الكريم في توجيه الخطاب وتوضيح الحقائق والمبادئ المهمة وغاياتها، مثل أساس الخلق، وأصول الإيمان ومقاصد العبادة وغيرها، ولهذه الأمثال غايات في تثبيت الإيمان والدعوة إليه، والترغيب في الآخرة والعمل الصالح، والترهيب من حب الدنيا وما يصير إليه حال من ركن إليها وارتضى بها، إلى غير ذلك مما تراه في القرآن الكريم.

وإن طريق الاستفادة مما ضرب الله من الأمثال، العلم والتفكر والتذكر، لذلك قال الله تعالى:

﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]

لأن العالم هو من يعقل ويدرك حقيقة المثل الذي يضربه الله تعالى من خلال إجالة الفكر وتوجيه النظر، وأما الجاهل فإنه لا يستدل إلى وجه التشبيه في المثل.

قال الزمخشري:

«ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المتحقق والغائب كالمشاهد»

وجاء في التفسير الوسيط: هذا المثل والأمثال الكثيرة التي ذكرها القرآن في سوره يضربها – سبحانه – للناس تقريبا لِفَهم ما ضُرِبت له، وإدراك معناه، وإظهارا للمعاني المستورة وتوضيحًا، وكان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمَّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلهذا قال – سبحانه -: {وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43] أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا الراسخون في العلم المتدبرون للأشياء على ما ينبغي، وقد روي "العالم: من عقل عن الله – تعالى – فعمل بطاعته واجتنب سخطه".

المعنى البلاغي في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ﴾

من الأمثلة البديعة المؤثرة في القرآن الكريم المثل الذي ضربه الله تعالى في القرآن في بيان عجز وضعف الأصنام والمعتقدات التي عليها المشركون والكفار وكل من يعبد شيئا غير الله تعالى قوله سبحانه:

﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]

وهذا المثل ينطبق على حالة الكفار وعبادة الأصنام واتخاذهم إياها أولياء من دون الله، يطلبون منها النصرة والحفظ من ألوان الخوف والشدة، فقال ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ ﴾ تشبيه تمثيلي، فقد شبه الله تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيف النسج قابلا للاختراق والزوال بنفخة هواء.

والتشبيه هنا تمثيلي لما كان وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد، وقد أفاد التشبيه انتفاء جدوى عبادة الأصنام، وعدم الانتفاع، وشدة الضعف.

وتظهر غاية جمال هذا التشبيه وأثره في نفوس السامعين حيث قلل من قيمة المعبود أي الأصنام التي هي أولياء الكفار والمشركين أولياء، والولي هو النصير والملاذ، وقلل من قيمة المعتقدات التي تقام حول هذه الأصنام من أولان القربات بما تصنعه العنكبوت لنفسها من بناء بيت لا يثبت أمام لمسة لامس، أو هبة ريح.

ولو قيل بأنّ اتخاذ هذه الأصنام لتعبد من دون الله لا تفيد من عبدوها شيئًا، لما كان له من الأثر في نفوس السامعين ولذلك قال تعالى:

{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}

(العنكبوت: 41) فزاد المشركين تجهيلًا على تجهيل، وجاء هذا المثل بهذا البيان الشافي الكافي.

أقوال المفسرين في آية العنكبوت

قال الزحيلي في التفسير المنير: بعد أن أبان الله تعالى أنه أهلك من أشرك بعاجل العقاب، وسيعذبه بشديد العقاب، دون أن ينفعه معبوده في الدارين، شبه حال هذا المشرك الذي اتخذ معبودا دون الله بحال العنكبوت التي اتخذت بيتا لا يحميها من الأذى، ولا يمنع عنها الحر أو البرد.

ثم أكد ذلك فأوضح أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يعبد وتترك عبادة الله القادر القاهر الحكيم المتقن؟ ثم لفت النظر إلى فائدة ضرب الأمثال وهي التقريب للأفهام وإدراك العقلاء لمغزاها.

وجاء في التفسير الوسيط: هذا مثل ضربه الله – سبحانه – للمشركين الذين اتخذوا آلهة من دون الله يرجون نصرها ورزقها ويتمسكون في الشدائد بها مع ما هي عليه من عجز وعدم غناء، ضربه جل وعلا – ليبين به أن شأنهم في الضعف والوهن، والاعتماد على غير معتمد كشأن العنكبوت اتخذت مما نسجته بيتا تحتمي به من البرد والحر وغيرهما، وبيتها من اوهى البيوت وأبعدها عن الصلاحية للاحتماء.

فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه، بل إن آلهتهم أوهن من بيت العنكبوت إذ له حقيقة وانتفاع في الجملة، أما هي فلا.

وقيل: المعنى؛ مثل المشرك الذي عبد الوثن بالقياس إلى الموحِّد الذي عبد الله – تعالى – كمثل عنكبوت اتخذت بيتًا بالإضافة إلى رجل بنى بيتًا من آجر وحجر أو نحته من صخر، وكما أن أضعف البيوت إذا استوعبناها بيتًا بيتًا بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقرأناها دينًا دينًا عبادة الأوثان، وهو وجه حسن ذكره الزمخشرى في الآية ونقله الآلوسي.

اختيار الإمام ابن عاشور

واختار ابن عاشور أن يكون حال المشبه في الآية الكريمة يتكون من جوانب متعددة، منها شبه غرور المشركين بأصنامهم بالعنكبوت وهو ينسج مأواه من جانب، وآخر تشبيه أولياء المشركين ببيت العنكبوت لقلة انتفاعه من هذا السكن. وهو وصف خاص يختلف عما سبق من الأقوال التي اعتبرت المشبه حالة الكفار والمشركين في معبوداتهم مطلقا.

قال ابن عاشور:

"المقصود بهذا الكلام مشركو قريش، وتعلم مساواة غيرهم لهم في ذلك بدلالة لحن الخطاب، والقرينة قوله بعده (إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء) [العنكبوت: 42] فضمير اتخذوا عائد إلى معلوم من سياق الكلام وهم مشركو قريش. وجملة (اتخذت بيتا) حال من العنكبوت وهي قيد في التشبيه."

وهذه الهيئة المشبه بها مع الهيئة المشبهة قابلة لتفريق التشبيه على أجزائها فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك، وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم.

أما وجه الشبه بين الكفار والعنكبوت في أحوالهما، فقال ابن عاشور:

وجملة وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت معترضة مبينة وجه الشبه. وهذه الجملة تجري مجرى المثل فيضرب لقلة جدوى شيء فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف.

فوائد وعبر مستفادة من آية سورة العنكبوت

يستفاد من هذا التمثيل الرفيع على ما يأتي:

بطلان عبادة الأصنام: أن عبادة الأصنام والأوثان فارغة المحتوى، لا مضمون فيها، ولا هدف لها، وما مثلها في عدم النفع إلا كمثل بيت العنكبوت. قال الفراء: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا.

جهل المشركين: شبه الله تعالى حال عبدة الأوثان بحال العنكبوت التي تتخذ أضعف البيوت، ولو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئا، وأن هذا مثلهم أو صفتهم، لما عبدوها؛ لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف.

إحاطة علم الله: إن الله يعلم ضعف كل ما يعبدون من دونه من ملائكة وكواكب وأصنام وجن وإنس، فرثى لحالهم، وعجب من صنعهم، فنبههم على سطحية تفكيرهم، وسوء اعتقادهم، وأن جميع تلك المعبودات مثل بيت العنكبوت؛ لأن كل ما عدا الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، فلا معبود بحق إلا الله، ولا إله سواه.

أهمية ضرب الأمثال: إن ضرب الأمثال أي بيانها وعقد المقارنة بين المتشابهات أمر مفيد للناس، لمعرفة حقائق الأمور، ولكن لا يفهم تلك الأمثال إلا العالمون بالله تعالى.

مآل الجهل واليقين: أن المشرك في غاية الجهل في الاعتقاد، حيث كانوا يعبدون جمادا وما ليس بشيء، لا علم لديه، ولا قدرة أصلا عنده، وتركوا عبادة القادر القاهر، الحكيم الذي لا يفعل شيئا إلا لحكمة.

أما المسلم المؤمن قلبه بالله فهو واع لما يفعل، مقدر ما يعبد، يبغي الخير في عبادته، ويحسن العمل في اتباع الشرع؛ لأن فيه نجاته وإنقاذه، ويصل إلى مبتغاه فعلا بجلب النفع والخير، ودفع الضرر والشر.


مدار الساعة ـ