أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن في مواجهة التطرف.. من وحدة المجتمع إلى مسؤولية المؤسسات


بهاء الدين المعايطه

الأردن في مواجهة التطرف.. من وحدة المجتمع إلى مسؤولية المؤسسات

مدار الساعة ـ

ربما أصبحت المشاهد تتكرر، حتى وإن اختلفت الأرقام والتواريخ والأشخاص، فما عاشه الأردنيون قبل أعوام، بقيادتهم الهاشمية، كان رسالة استطاعوا صونها بالحكمة، وما قدمه الأردنيون على مر السنين لم يكن وليد الصدفة، بل دفع ثمنه كل بيت من بيوتنا جميعا، فمعاذ الكساسبة، الذي دفع روحه فداء لأرض الوطن، وسائد المعايطة، وجميع الشهداء الذين رووا أسوار القلعة وأرض الوطن بدماء الشجاعة، حملوا راية الواجب دفاعا عنه.

إلا أن الأحداث لم تعد تقاس بالأشخاص بقدر ما تقاس بالفكر والمواقف، فالعاطفة وحدها لا تصنع دولة، ولا تكفي الأصوات المنددة للحكم على حق الدفاع عن الأرض وحماية الاستقرار، فالأردن الذي عاصر أبناؤها مرارة المواجع، ودفعوا أثمانا باهظة في سبيل أمنها واستقرارها، فما جرى بالأمس ليس مجرد حدث عابر، بل محطة تستدعي قراءة واعية للتاريخ والمواقف، بعيدا عن الانفعال وأحكام العاطفة، ومن استخدم أبناءه وأشقاءه، أو حتى أحد والديه، درعا لنفسه، وإن كانوا ضحايا، فذلك شأنه، فالدفاع عن الوطن ما كان يوما إلا بالحكمة قبل القوة، والأردن لم يخطئ يوما بحق الدول الشقيقة، بل كان ولا يزال حمامة السلام التي انطلقت لتجمع لا لتفرق.

فمنذ أيام، أوجع ما حدث في الأردن قلوبنا جميعا، وأصبح الوقوف في وجه الإرهاب مسؤوليتنا جميعا، مدنيين قبل أن نكون عسكريين، لقد أدمى المشهد قلوبنا على الشهداء الذين سقطوا ضحية للتطرف الفكري، الذي أصبح يشكل شرخا في خاصرة المجتمعات، فجميع الأديان لا تحث على الإرهاب، ولا تدعو إلى مهاجمة المجتمعات أو دور العبادة، كما حدث، فالتطرف الذي يدعم مهاجمة الكنائس لا يختلف في جوهره عن التطرف الذي يحرض على مهاجمة دور العبادة الأخرى أو استهداف أجهزتنا الأمنية.

كيف لا، والإسلام دين الرحمة والتسامح، يصون كرامة الإنسان، ويدعو إلى العدل والإحسان، ويرفض الاعتداء على الأبرياء، فلا يجوز اتخاذ النصوص الدينية ذريعة لنشر الكراهية أو تبرير الإرهاب والاعتداء على دور العبادة، فذلك يتنافى مع جوهر الرسالة الإسلامية، التي تؤكد حرمة الاعتداء على الآخرين، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. فالإرهاب لا يمثل دينا، والتطرف لا يصنع إيمانا، ومواجهة هذه الأفكار مسؤولية مشتركة تبدأ بترسيخ الوعي، وتعزيز ثقافة قبول الآخر، وحماية النسيج الوطني من كل ما يهدد وحدته وتماسكه.

فالهاشميون، منذ تأسيس الدولة، نسجوا نسيجا وطنيا يقوم على مبدأ المساواة بين المواطنين على هذه الأرض، والكرك شاهدة على عمق هذا التعايش بين أبناء الديانتين، وكانت قرية أدر وثيقة حية تجسد تفاصيل ذلك التعايش، فمنذ الطفولة ولا نزال نشاهد أواصر القرب والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد، مسلمين ومسيحيين، في صورة تجسد أصالة الأردنيين وتمسكهم بقيم الأخوة والتسامح والانتماء للوطن.

ولم يكن هذا التعايش يوما مجرد كلمات تقال، بل كان واقعا راسخا في حياة الأردنيين، تجسده المواقف اليومية، وتؤكده روابط الجيرة والتعاون، في ظل قيادة هاشمية حرصت على ترسيخ قيم المواطنة والعدالة واحترام الأديان، فالأردن لم يكن يوما وطنا يفرق بين أبنائه على أساس الدين، بل بيتا واحدا يجمعهم تحت راية الوطن، ويؤكد أن قوة المجتمع تكمن في وحدته وتماسكه، وأن مواجهة التطرف تبدأ بترسيخ ثقافة قبول الآخر، وحماية الأجيال من الأفكار التي تحاول زرع الفرقة والكراهية بينهم.

ففي لقاء معالي وزير الداخلية مازن الفراية، أمس، عبر أحد البرامج التلفزيونية، تطرق إلى العديد من المحاور، أبرزها البطالة والفراغ لدى الشباب، إلى جانب مطالبته بتعزيز المناهج الدراسية وترسيخ قيم الاعتدال، بما يسهم في حماية الفكر وبناء مجتمع أكثر وعيا وتماسكا.

فاليوم، لا يمكن محاربة التطرف إلا بوجود إرادة حقيقية، قادرة على حماية الفكر، وبناء القدرات، واستثمار الطاقات، وتوجيه الدعم الحكومي نحو المبادرات والبرامج التي تعزز الوعي، وترسخ ثقافة الحوار والتسامح، وتحمي المجتمع من الأفكار المتطرفة، كما كان متبعا قبل عشرات السنين داخل المراكز الشبابية التابعة لوزارة الشباب، التي كانت تركز على توفير الأنشطة والمعسكرات لأبناء المجتمع، إلا أن بيوت الشباب اليوم أصبحت تضم موظفين بلا شباب، فيما أُغلق النصف الاخر منها نتيجة عمليات الدمج، إلى جانب افتقارها إلى البرامج القادرة على إتاحة الفرص أمام الشباب للانشغال، في ظل عدم توفر فرص العمل، فاليوم، أصبحت المسؤوليات مشتركة بين مؤسسات الدولة، ويجب أن تتم إعادة هيكلة عميقة للبرامج، وحتى في توزيع الأدوار، فلا يعقل أن تتخلى وزارة تحمل طابعا ميدانيا عن طبيعة عملها، وتحوله إلى عمل إداري، فدور وزارة الشباب لا يقل أهمية عن دور وزارة الداخلية أو وزارة التربية والتعليم أو وزارة الأوقاف، فجميعها مؤسسات وطنية تتكامل أدوارها في حماية المجتمع، وبناء وعي أفراده، وتعزيز أمنه واستقراره.

فاليوم، جميعنا يرى الحقائق بمنظور الفخر والاعتزاز بمديرية الأمن العام، وبما تقوم به من خلال دعم عملية تعزيز المهارات الحياتية والأسرية، وترسيخ نهج العطاء في تنفيذ المبادرات التي تعنى بخدمة المجتمعات، من خلال عدة برامج تركت آثارا إيجابية في بناء منظومة فكرية لدى أبناء الوطن من مختلف الأعمار، فبرنامجا أصدقاء الشرطة والشرطي الصغير، رغم اختلاف الفئات العمرية المستهدفة، يشكلان نموذجا في تعزيز الوعي الأمني والمجتمعي، وغرس قيم الانضباط والمسؤولية واحترام القانون في نفوس الأجيال، وترسيخ الثقة المتبادلة بين المواطن ورجل الأمن، بما يسهم في بناء جيل واع يدرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، وأن الشراكة بين المؤسسات الأمنية والمجتمع تشكل ركيزة أساسية في تعزيز الأمن والاستقرار ونشر ثقافة المواطنة الإيجابية.

فاليوم، إذا أردنا تدارك الموقف، علينا أن نلتفت قليلا إلى إعادة تعريف ملف الشباب ضمن أولويات حقيقية جادة، وإعادة تفعيل مؤسسات صنع القرار في تبني فكر الشباب، فهم استثمار حقيقي للوطن إن وجدوا من يرعاهم، ويجب على الحكومة أن تعيد هيكلة ودمج المؤسسات التي تتكامل طبيعة عملها مع بعضها البعض، لتكمل رسالتها في مواجهة الفكر المتطرف.

حمى الله الأردن وقيادته الهاشمية، وحفظ شعبه نسيجا واحدا متماسكا، عصيا على الفتنة والتطرف.

مدار الساعة ـ